41.4 C
Khartoum
السبت, أغسطس 29, 2026

همس الحروف .. يا حضرة البروف ، رفضت الرعاية ، فلماذا حاكمت الكتاب ؟ .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

أصدر الملحق الثقافي السوداني بالقاهرة ، البروفيسور عاصم أحمد ، بيان توضيحي بشأن تدشين كتاب (السودان .. الحرب والرماد .. شهادتي على زمن الانهيار) للكاتب المصري الدكتور عبد العاطي المناعي ، أوضح فيه أن المستشارية الثقافية لا تتبنى تدشين أي إصدار قبل عرضه على لجنة فنية ، وأن اللجنة أبدت عدداً من الملاحظات على الكتاب ، كان أولها متعلق بعنوانه ، وتحديداً عبارة (زمن الإنهيار) ، بإعتبار أن السودان ، من وجهة نظر اللجنة ، لم (ينهر) ، وأن مؤسسات الدولة ما زالت قائمة والقوات المسلحة صامدة وهي الآن حررت مساحات من البلاد .

في تقديري الشخصي كان من حق المستشارية الثقافية أن ترفض رعاية أو تبني تدشين الكتاب ، فهذا إجراء إداري وثقافي يمكن ان نتفهمه ، وكذلك من حق أي مؤسسة أن تضع معاييرها قبل أن ترتبط بأي موضوع ، ومع كامل الإحترام للأخ البروفيسور عاصم ، فإن الموقف كان يمكن أن ينتهي عند هذا الحد ، دون أن يتحول الرفض إلى قراءة تقويمية للعمل ، أو إلى محاولة وضع الكتاب تحت معيار أكاديمي لا يتناسب بالضرورة مع طبيعته .

فالكتاب بحسب ما قدمه صاحبه ، ليس بحث أكاديمي في مؤسسات الدولة ، أو دراسة إستراتيجية عن تكتيكات الحرب ، أو المؤسسة الحربية ، فهو في الأصل كتاب ثقافي توثيقي يقوم على شهادات ومشاهدات عاشها الكاتب خلال فترة وجوده أثناء الحرب ، وهذه نقطة مهمة في قراءة هذا العمل الثقافي ، فالشاهد لا يكتب ما كان ينبغي أن يحدث حسب متتطلبات اللجنة الفنية ، ولكنه يكتب ما رآه وسمعه وعاشه ، وتبقى مسؤولية التحقق والنقد والمقارنة للقراء والباحثين والنقاد ، وليس لإعادة صياغة شهادة صاحب التجربة حتى تتوافق مع رؤية أي مؤسسة أو لجنة فنية .

ولعل أكثر ما إستوقفني في هذا البيان هو الإعتراض بصورة ملفته على كلمة (الإنهيار) ، فالإنهيار هنا ليس بالضرورة ان يكون إنهيار مؤسسات الدولة ، أو إختفاء الجيش من الميدان ، فهناك إنهيارات أخرى أكثر عمق وأشد خطورة حدثت ، فالحرب السودانية كشفت ، بصورة مؤلمة ، عن مظاهر سلوكية لم يكن كثير من السودانيين يتصورون أن يبلغها مجتمعهم ، من إنتهاكات مروعة وإعتداءات جنسية ، وظهور صور من الإستغلال ، والإتجار بالممنوعات وغيرها من الممارسات التي تستحق أن تُوثق وتُناقش بقدر كبير من الشجاعة والصدق ، وخصوصاً ان المليشيا قبل يوم من الحرب كانت حزء من مؤسسات الدولة السودانية .

ومن هنا يمكن أن يكون (الإنهيار) الذي يقصده الكاتب هو إنهيار في جانب من جوانب الحياة السودانية ، وليس حكم على وجودية الدولة أو صمود مؤسساتها ، وليس من الدقة إختزال دلالة العنوان في تفسير واحد ، فالعنوان الأدبي أو الثقافي يا حضرة البروف ليس بالضرورة ان يشبه عناوين الأوراق العلمية والأكاديمية ، ولا ينبغي التعامل معه كما لو كان إجابة نموذجية في إمتحان الشهادة السودانية ، لها إجابة واحدة لا تحتمل التأويل .

أما الملاحظات المتعلقة ببعض الوقائع التي أوردها الكاتب ، فهي أيضاً تحتاج إلى قدر من التروي ، فالخطأ في رواية أي واقعة أو عدم دقة بعض التفاصيل أمر يمكن مناقشته كنقد أدبي ، وقد وقع كبار الكتاب في مثل تلك الأمور ، كما أن الحروب بطبيعتها تنتج إلتباس كبير في طبيعة المعلومات والمشاهدات ، ولكن ذلك لا يعني إسقاط قيمة الشهادة كلها ، وتحويل الملاحظات الجزئية إلى سبب كافي للتعامل مع الكتاب وكأنه عمل ينبغي إعادة صياغته بالكامل مرة أخرى .

والأمر الأكثر إثارة للإنتباه أن الكاتب تقدم إلى المستشارية الثقافية ، ليس بدافع حاجته الملحة عن مكان يحتضن تدشين كتابه ، وخصوصاً أنه في مصر (أم الدنيا) ، فكان من الممكن أن يجد مكان آخر ، وهو ما حدث بالفعل ، فقد كانت رغبة الكاتب أن يتم التدشين عبر مؤسسة ثقافية سودانية فقط ، وهذه الرغبة نابعة من تقديره للدولة السودانية ومؤسساتها ، وكانت رغبتة أن يجد كتابه طريق إلى فضاء ثقافي سوداني رسمي ، وهذه رغبة تستحق الإحترام والإشادة ، ويحب أن تُفهم في سياقها ، وخصوصاً أن الكاتب نفسه أكاديمي ، ومن قدم الكاتب للمستشارية أكاديمي أيضاً .

في تقديري كان يمكن للمستشارية ، أن تعتذر عن الرعاية بهدوء ، وتترك الكتاب للنقاد والقراء والباحثين ، وخصوصاً أنها ليست مطالبة بالموافقة على كل ما يصدر من كتب ، كما أنها ليست مطالبة بإعادة إنتاج هذا الكتاب وفق رؤيتها الخاصة ، فكان دورها الأهم أن تتيح للكتاب أن يدخل إلى المجال العام ، حيث يمكن نقده وتصحيح ما فيه ومناقشته .

إلا أن هذا البيان الذي صدر بعد تدشين الكتاب في مؤسسة أخرى أعاد تسليط الضوء عليه ، ومنحه حضور إضافي لم يكن مقصود من الجهة التي اصدرت البيان ، ففي كثير من الأمور المتعلقة بالثقافة والإعلام ، فإن الإعتراض الرسمي غالباً ما يكون سبباً في زيادة فضول الناس تجاه العمل المعترض عليه .

ولذلك أقول للكاتب الدكتور عبد العاطي المناعي شكراً جزيلاً لك على جهدك المقدر ، وعلى محاولتك التي وثقت بها مرحلة مهمة من تاريخ السودان ، فقد يتفق معك البعض في ما ورد في كتابك وقد يختلف معك البعض الآخر ، وهذه سنة الحياة ، وقد يجد النقاد أخطاء في بعض التفاصيل وهذا أمر شائع ، ولكن يجب ألا يُقلل ذلك من قيمة التوثيق لمجرد أنه قابل للنقد ، فشهادة الإنسان على الزمن تظل جزء أصيل من الذاكرة التي يحتاجها المؤرخون والباحثون مستقبلاً .

أما للأخ البروفيسور عاصم أحمد ، مع كامل الإحترام والتقدير له ، فربما كان الموقف يحتاج إلى قدر أكبر من المرونة في عدم إصدار هذا البيان ، وأيضاً يحتاج إلى نفس المرونة في قراءة الكتاب بوصفه منتجاً ثقافياً وشهادة شخصية … وخصوصاً لأنه ليس بحثاً أكاديمياً مطلوباً منه أن يلتزم بإجابة واحدة ومحددة ، أو رؤية بعينها ، لقد كان من حقك أن ترفض رعاية التدشين ، بدون زوبعة إعلامية ، وقد فعلت ما رأيته صحيحاً وفق مسؤوليتك ، ولكن البيان اللاحق جعل الأمر يتجاوز حدود الاعتذار عن الرعاية إلى نقاش أوسع حول مضمون الكتاب وهذا في تقديري خطأ كبير .

الثقافة لا تحتاج إلى أن تتفق مع الجميع حتى تكون حية ، ويكفي أن يُسمح للشهادات المختلفة بأن تُروى ، ثم تترك للزمن ، والنقد والبحث ليحكم عليها ، أما مهمة فرز الحقيقة من الخطأ فهي ليست وظيفة المستشارية ، ولعل التناقض في البيان الذي جاء لتوضيح أسباب عدم تبني تدشين الكتاب ، أسهم في لفت الأنظار إليه أكثر ، وأصبح الكتاب حديثاً يتجاوز حدود قاعة التدشين .

وهنا ربما يمكن القول للبروفيسور عاصم ، بكل محبة وإحترام ، لقد كنت محقاً في حقك المؤسسي في رفض الرعاية ، لكنك ربما لم تكن موفقاً في تقدير أثر البيان الذي جاء بعد ذلك .

الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا