☘️🌹☘️
من عمق الشمال السوداني، حيث تلامس الأرض حدود المجد ، و تهمس ضفاف النيل بأسرار العزة و الرجولة ، حط والي ولاية الشمالية سعادة اللواء ركن (م) عبد الرحمن عبد الحميد ، رحاله في مدينة وادي حلفا ، مدينة الشمس و النيل و الكرامة .
لم تكن زيارته بروتوكولية كما يقول ظاهرها ، و ليست من أجل أن تسجل على هوامش التقارير التى يبثها الإعلام ، بل جاءت محملة بدلالات معنوية قبل أن تكون ذات أثر مادي ، اختار من خلالها أن تكون حلفا أول محطاته الداخلية بعد تسلمه زمام الولاية ، إيمانا منه بأن المدن العظيمة لا تزار ، بل تقصد ، و كانت حلفا أول مقاصده ، فهى مدينة ذات عمق تاريخي و لا تزال شامخة كالنخيل ، تؤوي كثير النازحين ، و تستقبل الجرحى ، و تنسج خيوط الصمود منذ فجر المعركة .
في إحدي ميادين مدينة حلفا ، التي ضاقت بجماهير أتت بمحض إرادتها لتؤكد قوة هذه المحلية ، فتجلت المدينة في لحظة مهيبة وهي تلبس ثوب العزة و الكرامة ، حيث شهِد الوالي تخريج كوكبة من المستنفرين و المستنفرات في معسكرات الكرامة الثالثة ، و كانت الطلائع العسكرية التي اصطفت أمامه ، تجسد الانضباط ، و دقة التدريب ، و تعبر عن إرادة وطنية حرة ترفض الانكسار ، و تعلن للعالم أجمع أن خريطة السودان لم ترسمها الجغرافيا فقط ، بل سطرتها دماء الأحرار .
و في أول خطاب جماهيري له ، بدا صوت الوالي ممزوجاً بحكمة القيادة و قوة الإرادة ، و بين العزم و العزاء إستحضر في معيته الشهيدة الدكتورة هنادي ، التي اغتالتها أيادي الظلم و الغدر في معسكر زمزم ، مؤكداً أن مستنفرات حلفا سيمضين في دربها بإذن الله ، و سينتزعن بثأرها من براثن الطغاة بقوة و إقتدار بإذن الله تعالى .
لم تغب عن عينه قضية المعابر ، فكانت زيارته أيضاً للتفقد و الإشراف ، واضعاً أمن البلاد و معابرها على رأس أولويات المرحلة ، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى ضبط الحدود ، و حماية الممرات ، و تأمين الموانئ البرية و النهرية التي تشكل شرايين الدولة ، و نحن بدورنا نذكر السيد الوالي بحصة الولاية من دخل المعابر ، حسب إتفاقية جوبا و هي الآن مفعلة ، و خرجت من حيز التجميد و قد نصت على أن نصيب الولاية الشمالية يمثل 30 % من الدخل الكلي للمعابر .
لجنة الاستنفار والمقاومة الشعبية بمحلية حلفا أبت نفسها إلا أن ترد الجميل بمثله حيث أنها نالت شرف أول فعالية يشهدها الوالي بعد توليه المنصب ، فكرمته اعترافاً منها بدوره ، إلى جانب ذلك ، فقد كرم سعادة الوالي الأوائل من المستنفرين في ميادين الرماية ، و الانضباط ، و المواظبة ، والسلوك ، كما نال اللواء 76 مشاة (حلفا) و الفرقة 19 مشاة (مروي) شرف التقدير من جماهير المحلية و قياداتها ، في يوم كان مشهوداً ، و يمكن وصفه بأنه يوم الوفاء للرجال و النساء الذين عقدوا العزم و تواثقوا على ألا ينكسر الوطن مهما اشتد الخطب .
هنا حلفا ، و هنا السودان ، و هنا بوابة الحضارة ، و معبر الإسلام ، و هنا المدينة التي رددت أمس في كرنفالاتها العسكرية أناشيد الوطنية من صدورها و ليس من حناجرها ، و كأنها تريد أن تعيد لكل العالم تعريف مفهوم الحدود ، ليس كحواجز جغرافية كما يعتقد الناس ، بل كخطوط دفاع عن السيادة الوطنية و الكرامة .
ألهب والي الشمالية جذوة الحماس في نفوس المستنفرين على إمتداد السودان من حلفا ، و أكد انتصارات الجيش و القوات المساندة له ، و إفتخر بتجسيدهم لمعاني الوحدة و الوطنية حتى بدا الميدان كأنما ينبض بالعزيمة و الولاء ، فارتفعت الهتافات كأنها زئير جيش لا يعرف الانكسار ، و كانت عينه على فاشر السلطان ، و دارفور الصمود ، و كردفان الخير ، مؤكداً أن أجزاء السودان كلها لنا وطن ، و مصطحباً في حديثه معاني : إن دعا داعي الفداء لن نخن ، نتحدى الموت عند المحن ، و أكد عزمه على القصاص لشهداء زمزم الأطهار الذين تم قتلهم بدم بارد و هم في اللجوء ، حيث خرجو في السابق من لهيب حرب ضروس ليكونوا في الأمان ، و ليس لهم جريرة تقودهم إلى الموت بآله حرب حديثة و هي تعلم قصتهم في سابق الزمان التي أخرجتهم من ديارهم ، و عاشت معهم التفاصيل التي كانت بطعم العلقم و أحزانها السوداء .
فمن أرض الصمود حلفا أرسل الوالي رسائل قوية للخارج قبل الداخل يؤكد للجميع أن النصر آت لا محال ، و إن طال إنتظاره ، متحدثاً بقوة لا تعرف تلزيمة و الإنكسار ، و نطق بعزيمة لا تعرف اللين ، و ببقين العارفين مؤكداً : (لن يضيع حق خلفه طالب) ، هذا هو سعاده اللواء ركن (م) عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم ، رجل المقاومة الشعبية الثائر ، و قد عرفته ساحات الوغى ، مدفعجي لا يخطئ تصويبه من الهدف ، و قائد فذ كما عرفه الميدان ، و هو والي الشمال ، و البرق القبلي الذي يبشر بغزير الأمطار ، و الركيزة التي لا تعرف الإتكاءة أو الإنكسار ، قليل الكلام ، كثير الفعل ، يؤكد دائماً أن النصر يصنع من مدن كهذه ، و من شعب كهذا ، ومن دماء حرة لا تخون عهد الأرض ، و لا وصية الوطن .
و (نصر من الله و فتح قريب و بشر المؤمنين)