22.1 C
Khartoum
السبت, فبراير 28, 2026

همس الحروف .. في جلسة رمضانية إجتمعت السلطة بالإنسانية في حضرة القيادة ، وسياحةِ الروح .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

في أمسية خميس رمضانية ، توشحت بسكينة الشهر الفضيل ، فإنعقدت فيها مائدة إفطار عامرة ببساطتها غير متكلفة ، تجلت فيها صورة نادرة من صور القيادة الرشيدة لمؤسسات الدولة ، فقائدها يحسن صناعة الروح قبل صناعة القرار ، حيث لا تكلف ولا إصطناع ، فله بصمتة التي تميزه عن غيره ، هذا هو مولانا خالد ميرغني صاحب النهج المختلف ، ذاك الرجل الذي إذا حضر في اي مجلس أحيا التفاصيل ووضع النقاط على الحروف ، وإذا أمسك بخيط أي مبادرة نسج منه ثوباً من المعاني ليلبسه الجميع طمأنينةً وأُنساً .

ليس كل من جلس على كرسي الإدارة صار قائداً ، ولا كل من أصدر أمراً إستحق السمع ، فالمدير يُحسن توزيع المهام ، أما القائد فيحسن توزيع الأمل ، والمدير يُتقن ضبط الوقت ، وأما القائد هو ذاك الرجل الذي يُتقن ضبط الإيقاع الداخلي للناس ، فالمدير ينظر إلى النتائج ، أما القائد فينظر إلى الإنسان الذي يصنع النتائج ، وهنا تتجلى فرادة مولانا خالد الذي إستطاع أن يفعل إنسانيته حتى صارت طاقة تسري في أوصال المؤسسة التي هو على رأسها ، وتسربت إلى قلوب زملائه قبل مكاتبهم ، فإنضبطت على إيقاع واحد .. فهذا الرجل من أولئك الذين إذا دخلوا مكان أعادوا تعريفه ، وإذا تولوا مسؤولية نفخوا فيها روحاً ، حتى كأن الحنظل يتحول في صحبتهم إلى مذاق يُستساغ ، وهذا ليس بسحر ، وأنما بحضور إنساني عميق .

لقد أعطى الرجل للمؤسسة التي يتقدمها روحاً تُرى في وجوه العاملين ، وتُلمس في دفء اللقاءات ، وتُقاس في جودة الأداء ، فتلك الروح هي سر السلطة الراشدة ، وتلك السلطة هي التي تتكئ على المحبة والقدوة وحسن التدبير وليس على الهيبة ، فحسن الإدارة عند مولانا خالد هو خُلق تربى عليه ، ورؤية ثاقبة تُحسن ترتيب الأولويات ، وتضع الإنسان في قالبه الإنساني .

وقد جمعتنا سفرة الإفطار العامرة ببساطتها ، وبعد صلاة المغرب إجتمعنا مرة أخرى على فنجان قهوة ، و كباية شاي ، فكانت الجلسة عبارة درس صامت في المعاني ، وخصوصاً أن الجميع كالبستان الغناء الذي تتدلى ثماره على اختلاف ألوانها وطعمها ، على الرغم أن جذورها مغروسة في ارض واحدة ، وماؤها واحد ، إلا إن كل واحد منهم يحمل خاصيته التي تميزه عن الآخر ، فإذا إجتمعوا إكتمل المشهد وإتسقت اللوحة ببهائها .

ثم كانت السياحة إذ طاف بنا مولانا عادل الحسين ، قاضي المحكمة العليا ، فكانت رحلة من نوع آخر ، سياحة مزجت المادة بالروح ، والوظيفة بالرسالة ، والسلطة بالمسؤولية ، فلم تكن مجرد حديث ، لانها كانت تتشكل منها معاني تُزرع ، فقد أخذ بيد الجمع في مشوار جميل بين القيم والممارسة ، وبين ما يجب أن يكون وما ينبغي أن يُصان ، حتى تمنى السامعون ألا تنتهي تلك الجولة التي وسعت المدارك وأيقظت الضمائر ، فكانت بمثابة رسالة صامتة في بريد الجميع ، لا سيما صغار القضاة ، تُعلمهم أن القضاء ليس نصوصاً تُطبق ، لانها تمثل ميزاناً أخلاقياً يقام في الدواخل قبل أن يقام في القاعات .

وهكذا بدا الجهاز القضائي بالولاية الشمالية يمثل لوحة من الجمال المتنوع ، فهو سلطة تُحسن التدبير ، وتعرف الفرق بين الشدة في موضعها واللين ، وبين الحزم والرحمة ، بين النص وروحه ، إنهم رجال كأنهم جبال راسيات ، فهم أهل ثبات على المبدأ ، ونقاء في السريرة ، إذا حملوا الهم العام فعلوا ذلك بوعي رسالي ، وإذا لامسهم همهم الشخصي صبروا عليه وإحتسبوا .

إنّ صحبة امثال هؤلاء (عبادة) ، لأنهم يذكرونك دائماً بأن السلطة إذا تجملت بالأخلاق صارت رحمة ، وأن القيادة إذا تشربت بالإنسانية صارت هداية ، ودائماً في حضرة مولانا خالد يتجدد اليقين بأن الفرق بين المدير والقائد هو الفرق بين من يُدير المكان ومن يُنير الإنسان ، وكذلك كانت في سياحة مولانا عادل الحسين تأكيد أن الكلمة حين تخرج من قلب عامر بالقيم تبلغ القلوب قبل الآذان .

نسأل الله لهم التوفيق والسداد ، وأن يحمل عنهم همومهم الخاصة كما حملوا عن الناس همومهم العامة ، وأن يظل هذا الجهاز القضائي منارة عدل ووقار يفيض على الولاية الشمالية أمناً وطمأنينة ، ويكتب اسمه في سجل الخدمة العامة بحروفٍ من نور .

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا