☘️🌹☘️
عندما نذكر للناس إسم قرية البرصة ، يتبادر إلى أذهان البعض أنها قرية صغيرة كغيرها من قرى منحنى نهر النيل ، ذلك الموضع الذي تتبدل فيه بوصلة الإتجاهات ، فيصبح الشمال شرقاً والغرب جنوباً ، ولكن عند التعريف بها نقول : هي إحدى قرى شرق النيل في محلية مروي ، غير أن البرصة أكبر من أن نختصر تعريفها في موقع جغرافي كنقطة في الخارطة المكانية ، أو أن نرسم لها حدود وهمية على الخريطة الورقية ، لأنها قرية ولكنها تنبض بروح المدينة ، فهي تزهو بتاريخ عريق ، وتحمل إرثاً غنياً ، وتمتد آثارها إلي أبعد من حدود المكان ، فهي وطن صغير إلا أنه ملتقى للمعرفة ، والروحانية والمحبة ، وتلتقي فيها قيم العلم ، والانتماء ، والتواصل الإنساني البديع .
تقف البرصة في ثوبها الأخضر الجميل بين قريتي الكرفاب والبار أم درق ، وهي تغازل السماء شموخاً ، باسطة ذراعيها نحوهما وكأنها تضع يديها على كتفيهما مودة ومحبة ، في منظر نادر من مناظر الألفة والانتماء ، وتطل على جبل كلنكاكول مزهوة بما شيدته من منارات للعلم والمعرفة … كلية جامعية تضيء دروب العقول ، ومعهد تقني يصنع الكفاءات ويعد الشباب لمستقبل الوطن ، وورش ومعامل ومراكز تدريب ترفد المجتمع بالخبرة والإنتاج ، إنها منارة علمية وحضارية لا تخطئها العين ، ويكتمل جمالها بما يحيط بها من خضرة ورقار وطبيعة آسرة ، وهي تتحكر في خاصرة كلنكاكول ، وتعانق منحنى النيل ، فتجمع بين إشراق المعرفة وفتنة المكان وجمال وروعة الموقع .
تمتد رسالتها إلى خدمة الإنسان في صحته وحياته اليومية ، عبر مركز صحي حديث يخفف الآلام ويقدم الرعاية الصحية الأولية ، ليكتمل بذلك دورها الخدمي لمجتمع حي يجمع بين العلم والخدمة والتنمية .
أما الجانب الروحي ، فهو أحد أجمل ملامح البرصة وأكثرها إشراقاً ، فهي موطن للمحبة والتواصل والتآلف ، وملتقى سنوي يجتمع فيه الأحبة من كل صوب في حولية الشيخ نور الدائم العجيمي ، التي تُقام بصورة راتبة في ثالث أيام عيد الأضحى المبارك ، فهي مناسبة تتجدد فيها الذكريات ، وتتلاقى فيها الأرواح ، وتتعانق فيها الأجساد بكل حب وهي تصافح بعضها البعض ، ويستعيد الناس فيها دفء العلاقات وجمال اللقاء .
كنت حريصاً أن أكون حضوراً في هذا العام للمشاركة في كرنفالها الروحي الباذخ ، غير أن مشاغل الحياة وتسارع إيقاع الأيام حالا دون ذلك ، ولكن عدم الحضور للمكان لم يمنعني من الشعور بإحساسها ، فقد عشت تفاصيل المناسبة كلها في قلبي ، وإستحضرت وجوه الأحبة ودفء اللقاءات وكأنني بينهم .
وقد إعتدنا دائماً ، أن نجد أنفسنا في رحابة قلب خليفة السجادة العجيمية ، الشيخ معتصم نور الدائم العجيمي ، فهي مساحة تنحصر في قلب صغير ، ولكنها تتسع للجميع ، فهي واحة ، وملتقى للمحبة وموئلاً للألفة ، وشاهداً على أن الحب الصادق قادر على أن يحقق ما تعجز عنه الآلات والإمكانات المادية ، عندما تصنعه قلوب نقية عامرة بالإخلاص .
تجمع البرصة دائماً في هذه المناسبة السنوية أعداداً غفيرة من أبنائها ومحبيها ، فيتبادلون التهاني بمناسبة العيد ، ويسترجعون الذكريات الجميلة المرتبطة بالمكان وشيخه وأهله ، فتكون المناسبة ، كما هي دائماً ، درساً بليغاً في معنى الانتماء ، والمحبة ، وصلة الرحم ، والتواصل الإنساني .
نسأل الله أن يديم المحبة بين الناس ، وأن يبارك لهم في الصحة ، والأعمال والأعمار ، وأن يوسع عليهم في الأرزاق حتى تقل الأعذار عن عدم الحضور ، وتظل هذه المناسبة عامرة بلقاء المحبين والفرح ، ويظل هذا الملتقى الروحي منارة تجمع القلوب عاماً بعد عام .
ودمتم جميعاً بألف خير
elbagirabdelgauom@gmail.com
