☘️🌹☘️
الخطوط الجوية السودانية (سودانير) حكاية وطن كتب اسمه في السماء ، ووعد بالعبور من خرطوم الجمال إلى سعة العالم ، فهي جسر يربط أطراف البلاد الشاسعة بقلبها النابض في العاصمة ، ثم يمد ذلك الجسر حتى تخوم أوروبا وأفريقيا والشرق العربي .
في عام 1947 كانت البدايات متواضعة في عددها ، ولكنها عظيمة في معناها ، أربع طائرات صغيرة تشق عباب السماء بإرادة أمة ما زال الاستعمار يقيدها آنذاك ، وتتطلع إلى مكان متميز بين الأمم ، وبعد اثني عشر عاما فقط سيرت سودانير رحلات منتظمة إلى العواصم الأوروبية ثلاث مرات إسبوعياً ، فكانت تعانق مطارات لندن وروما وأثينا مروراً بالقاهرة وبيروت ، ثم تمتد جنوباً إلى نيروبي وأديس أبابا .
ولها الفخر بأنها كانت أول شركة غير بريطانية تستخدم مطار غاتويك بعاصمة الضباب (لندن) وكان ذلك إعلان حضور يسجل اعترافاً دولياً بكفاءة الناقل الوطني الذي ولد في أطراف العالم ، ولن يقبل أن يبقى في الهامش .
تدرج الأسطول يوماً بعد يوم ، وتنوعت الطرازات ، وتوسعت الشبكة ، وكان لزاماً أن تنضم إلى منظمات الطيران الدولية والإقليمية ، فصارت رمزاً للانضباط المهني ، والتراكم الخبراتي ، وكانت سودانير تشكل صورة ذهنية مشرقة لبلد يؤمن بأن السماء تمثل بداية طريقه نحو الانطلاق .
غير أن الرياح لا تجري دائماً بما تشتهي الأجنحة ، فلم تسلم من تدخلات السياسة في تفاصيل الإدارة ، وتسلل إليها التطفل الوظيفي ، والتعيين الفوقي الذي أنهك جسدها ، وعلاوة على ذلك تم إرهاق الشركة بالتذاكر المجانية التي تُمنح هنا وهناك ، حتى تآكل دخلها أمام كلفة تشغيل باهظة لا ترحم ، فصناعة الطيران كما يعلم أهلها لا تحتمل المجاملات أبداً ، فهي صناعة دقيقة ، تقوم على الخبرة التراكمية والانضباط المالي الصارم ، وعندما تمت إدارتها بعقلية لا تعرف خصوصيتها ، إختل ميزانها سريعاً وبدأت تتهاوى .
توالت الحكومات ، وتبدلت الإدارات ، وبقيت الشركة تدفع ثمن التخبط الإداري ، وحاصرها الحظر الاقتصادي ، الذي زاد الطين بلة ، فجفت منابع التمويل ، وتعثر تحديث الأسطول ، وتراجعت القدرة التنافسية ، ومع كل أزمة كانت تتساقط قطعة من لحمها الحي ، حتى بلغ الحال في 2026 أن يُختزل تاريخ عريض لهذه الشركة العملاقة في طائرة واحدة ، وهي ما زالت تحاول حمل عبء اسم أثقل من وزن طائرتها .
صحيح أن في الأسطول اليوم طائرة إيرباص محترمة ، تمثل بارقة أمل كبيرة ، ولكن هذا الأمل وحده لا يكفي ، فما زال الهيكل الإداري مترهلاً ، يتجاوز حجمه قدرة التشغيل أضعافاً مضاعفة ، وهذا مكمن الداء .
قصة سودانير هي قصة فشل دولة في إدارة مورد استراتيجي في غاية الأهمية ، فهي الناقل الوطني الوحيد ، ولهذا يجب ألّا يكون ملفها في رفوف الرفاهية ، لأن كل تفاصيلها تمس سيادة الدولة ، والاقتصاد الوطني ، وفوق كل ذلك تحمل صورة بلد عظيم اسمه السودان وتعكسها في عيون العالم .
والدول التي إحترمت ناقلاتها الوطنية ، نجد أن الناقل إحتضن الدولة في أزماتها ، ولهذا يجب على الدولة إعادة ترتيب أولوياتها ، فسودانير تعتبر أولوية سيادية ، ولا بد من إعادة هيكلتها ، وضخ مال مدروس فيها ، ونؤكد وجوب الاستعانة بكفاءاتها الأصيلة قبل البحث عن حلول مستوردة .
سودانير تحتاج اليوم إلى قرار شجاع ، وإعادة بناءٍ حقيقية ، فليس هناك وقت للمسكنات المؤقتة ، وتحتاج إلى تجديد أسطولها بخطة مرحلية واضحة ، وإلى إدارةٍ مهنية من داخل بيتها تعرف مفاتيح العمل ، وتؤمن بأن الطيران علم وخبرة قبل أن يكون منصباً إدارياً ، وكما تحتاج إلى فصل حاسم بين القرار الفني والاعتبارات السياسية ، وإلى ضبط مالي صارم يوقف نزيف المجاملات .
سودانير اليوم لا بواكي عليها ، فقد بدأت قبل معظم الدول ، ولكنها تأخرت عنهم كثيراً ، وعلى الرغم من ذلك لم تفقد قدرتها على النهوض ، لأنها متحكرة في قلوب الكثيرين من كوادرها ، ويعشعش في ذواكرهم رصيد ضخم من المجد لهذه الشركة العملاقة ، وما زال في كوادرها بقايا خبرة لم تنطفئ جذوتها ، وكما لها في وجدان الشعب السوداني مكانة خاصة لا ينافسها فيها أحد ، فهل تملك قيادة الدولة الإرادة الكافية لتكتب فصلاً جديداً يليق بتاريخها الذي بدأ بأربع طائرات في 1940 ، ولا ينبغي أن ينتهي بطائرةٍ وحيدة في 2026 .
