☘️🌹☘️
لا أحد يعترض على مكافحة غسل الأموال ، وليس هناك من هو مع تمويل الإرهاب أو تمويل إنتشار التسلح ، ولا أحد يُبدي أي تحفظ على حق بنك السودان المركزي في تنظيم العمل المصرفي وتشديد الرقابة على حركة الأموال ، فالمشكلة في السودان لا تكمن في أي قرار ، ولكنها تتجسد في كيفية تطبيقه على أرض الواقع ، فقد يُطالب المواطن بأن يقطع البحر ، دون تمكينه من الأدوات والوسائل التي تعينه على تنفيذ الطلب ، ولا يهم متخذ القرار كيف سيصل إلى الضفة الأخرى .
الخطاب الموجه إلى المصارف بشأن تحديث بيانات العملاء ، مع إيقاف وتجميد حساب من لم يستكمل التحديث خلال شهرين ، تواجهه مشاكل عملية كثيرة ، خصوصاً في بنك الخرطوم الذي يتعامل مع أعداد كبيرة من العملاء .
فليس من المنطقي أن تُعامل كل الحسابات بالطريقة نفسها ، فالحساب الذي ينزل فيه راتب شهري وحركته محدودة ، يختلف عن حساب تجري فيه معاملات مالية كبيرة ، لذلك كان من الأفضل أن يراعي القرار درجات المخاطر ، وأن يستبعد من التحديث الحسابات منخفضة التعامل ، ومحدودة الدخل ، مع إستمرار الرقابة عليها .
هناك أناس يعيشون في القرى بعيداً عن المدن ، ويجبرهم إجراء تحديث البيانات على الحضور إلى المدن التي تتوفر فيها فروع بنوكهم ، وقد لا تتم المعاملة في يوم أو يومين ، وهو أمر قد يحملهم تكاليف تفوق في بعض الأحيان المبالغ التي تدخل وتخرج من حساباتهم .
والأهم من كل ذلك ، ما هو وضع المغتربين من هذا القرار ، فكثير منهم يستخدمون خدمات مثل بنكك لتحويل الأموال إلى أسرهم ، فكيف سيحدث هؤلاء بياناتهم ؟ ، وهل يُعقل أن يتوقف حساب مغترب أو تتعطل تحويلاته لأسرته لأنه لا يستطيع الوصول إلى جهة تحدث له حسابه .
هذه التفاصيل ليست إعتراضاً على القرار ، ولكن هي جوهر نجاحه ، فالمشكلة في السودان أن إصدار القرارات غالباً ما يكون أسهل من توفير الوسائل اللازمة لتنفيذها ، إذ يُطالب المواطن بتحديث بياناته ، ولكن أين وكيف ؟ ، وما هي الخيارات المتاحة أمامه ؟ ، هذه الأسئلة لا تحظى بالقدر الكافي من الإهتمام عند إتخاذ القرار ، ويُطلب التنفيذ دون أن تكون آليات تطبيقه واضحة أو ميسرة ، فمثلاً ، هل البنية التقنية والكوادر البشرية في فروع بنك الخرطوم قادرة على إستيعاب أعداد ضخمة من العملاء خلال فترة قصيرة ؟ ، وما مصير العملاء الموجودين خارج البلاد ، وكيف يمكنهم الإلتزام بتحديث بياناتهم ؟ .
المطلوب إعطاء القرار قدراً أكبر من المرونة ، مثل بعض الإستثناءات للحسابات منخفضة المخاطر ، وحسابات المرتبات ، وكذلك لابد من إعطاء مسار إلكتروني واضح للمغتربين ، مع فترة سماح أطول لمن يتعذر عليه إستكمال الإجراءات لأسباب خارجة عن إرادته .
مكافحة غسل الأموال مسؤولية مهمة ، ولكن لا ينبغي أن تتحول إلى هاجس جديد للمواطن ،
فالقرار الناجح هو الذي يحقق هدفه الرقابي ، وفي نفس الوقت يراعي ظروف الناس ويمنحهم طرقاً واضحة لتطبيقه .
المواطن لا يرفض التنظيم ، ولكن يريد أن يشعر بأن من أصدر القرار قد فكر في كيفية تطبيقه بما يراعي ظروف مختلف شرائح المستفيدين من الخدمات المصرفية .
