37.7 C
Khartoum
الجمعة, أغسطس 14, 2026

همس الحروف .. تسخير السلطة لتصفية الحسابات الشخصية .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

أتذكرون مقالنا الذي نشرناه قبل نحو أسبوع بعنوان (إستغلال نفوذ السلطة ، وإستخدام هيبة القانون في المكان الخطأ) ، والذي كان موجهاً إلى قائد قطاع الفرقة 19 العملياتي بدنقلا ؟ .

ولكن يبدو أن القصة لم تبدأ بعد ، فبعد نحو اسبوع عاد الضابط نفسه (وعلى كتفه رتبة رائد) ، وهو قد سبق أن أُثيرت تساؤلات حول صفته العسكرية ، وهذه المرة وبحسب معلومات مؤكدة ، حضر مرتدياً زياً عسكرياً كاملاً ، وبرفقته رهط من الجنود على متن عربة عسكرية مُثبّت عليها سلاح (دوشكا) ، في منظر قد يتراءى للناس فيه أن الرجل ، بهذه الترسانة ذاهب إلى معركة تحرير الفاشر ، إلا أنه جاء بسبب خصومة شخصية ، وكان هذا الموقف كفيل بإرهاب العاملين في هذا المكان ، الذي يتبع لأحد المستثمرين الأجانب .

وبحسب الرواية ، كان الهدف من المجيء هو القبض على الشخص الذي يتولى حراسة المكان ، بما يؤدي عملياً إلى إخلائه من الحراسة ، تمهيداً لتنفيذ مهمة أخرى يتولاها آخرون في آخر النهار لإستكمال عملية القرصنة .

وهنا نعود لنسأل كيف تحولت خصومة تجارية إلى قضية أمنية بهذا الحجم المفخخ ؟ .

فالقصة بدأت بمعاملة تجارية بين زبونة والمحل الذي يخص ذلك المستثمر ، ونشأ بينهما خلاف ، فمن حق أي طرف منهما إذا تضرر ، اللجوء إلى الشرطة أو النيابة أو المحاكم ، وهي الجهات الرسمية التي يفترض أن تحسم مثل هذه النزاعات وفق القانون .

ولكن الزبونة ، وبحسب ما وصلنا ، كانت قد تحدثت عن قريب لها يعمل وكيلاً للنيابة ، وأنها ستفرض ما تريده بقوة القانون .

فقد ظن الناس أن الذي قيل مجرد تهديد أو وعيد ، ولكن تبعته إجراءات فعلية تؤكد ما صرحت به ، إذ تم فتح بلاغ جنائي في مواجهة المستثمر تحت المادة 180 وهي التملك الجنائي ، رغم أن أصل الواقعة كان عبارة معاملة تجارية واضحة ، وهذه المسألة تستحق من الجهات العدلية توضيح أساسها القانوني الذي قامت عليه .

ثم صدر أمر قبض باسم (وهمي) ، وليس بإسم المستثمر ، متصلاً بعبارة (بالإرشاد) ، وقبيل المغرب بقليل حضرت قوة تجاوزت السبعة أشخاص ، من بينهم أفراد يتبعون للإستخبارات العسكرية ، فتم إقتياده إلى قسم شرطة دنقلا ، وهنا نريد أن نعرف سبب وجود الإستخبارات العسكرية في هذا الأمر .

حيث تم أخذ هاتفه بالقوة حتى لا يتصل بأحد معارفه ، وكما تعرض للضرب أثناء عملية القبض ، ثم إستمر الاعتداء عليه داخل حوش قسم الشرطة ، وتم إختيار مساء الخميس تحديداً لتنفيذ هذا الأمر ، ليبقى موقوفاً في الحبس إلى يوم الأحد ، حسب ظنهم المحدود .

إذا صحت هذه الوقائع ، فنحن أمام أمر خطير يتجاوز الخلاف التجاري بكثير ، ويستوجب تحقيقاً مستقلاً ومحايداً .

والمدهش في الموضوع أن الشخص الذي قاد القوة ، على صلة قرابة ودم مباشرة بصاحبة الشكوى ، وهو في الوقت نفسه شرطي ، فأصبح بعد وصوله إلى قسم الشرطة طرفاً في بلاغ آخر ضد المستثمر ، بعد أن إدعائه أن المستثمر قام بضربه ، ليضاف إلى الرجل بلاغ آخر تحت المادة 143 وهو الاذى البسيط .

وهنا سأوجه سؤال في غاية الأهمية إلى جميع المؤسسات التي تمثّل مثلث العدالة ، كيف يمكن لمن تربطه صلة مباشرة بأحد أطراف الخصومة أن يتولى تنفيذ إجراءات القبض ، وكيف يصبح ، في الوقت نفسه ، طرفاً مباشراً في بلاغ ناشئ عن الواقعة ذاتها ؟ .

فهذه القضية ليست ضد الشرطة ، ولا ضد النيابة ، ولا ضد المؤسسة العسكرية ، فعلى العكس تماماً فإن هذه المؤسسات مطالبة بحماية هيبتها وصيانة إستقلالها ، ومنع إستخدامها لتحقيق أغراض شخصية ، أو لخدمة أي طرف من أطراف الخصومة .

فالرتبة العسكرية لا تمنح صاحبها حصانة ليفعل ما يشاء ، والزي العسكري ليس بغرض إرهاب الناس ، والسلاح ليس وسيلة لحسم الخلافات الخاصة ، وصلة القرابة بالمسؤولين لا تمنح صاحبها حقاً إضافياً على القانون .

وبحسب المعلومات التي وصلتنا ، فإن المتحري كذلك أوصى بعدم إطلاق سراح المستثمر بالضمانة العادية ، إلا بعد دفع مبلغ مالي معين ، قبل أن تُعرض الأوراق ليلاً على وكيل النيابة ، الذي لم يجد ، بحسب الرواية شبهة جنائية تستوجب إستمرار البلاغ الأول (الأصيل) فتم شطبه فوراً ، ثم أُخلي سبيل المستثمر بالضمانة العادية في البلاغ الآخر الذي نشأ من هذا البلاغ المشطوب .

وهنا وصلنا إلى المحطة التي يجب أن نتوقف عندها ، لإعادة قراءة القصة بعيداً عن العواطف ، فكيف حدث كل ذلك ، ترابط عجيب بين كل الأحداث التي بدأت بحضور القطعة العسكرية المدججة بقيادة الرائد في صباح اليوم ، وظهور أمر قبض بإسم (خطأ) في قضية تملك جنائي ، حيث كان من المفترض أن يكون الشخص المشكو ضده معلوم للشاكية ، التى هددته بصلة قرابتها بوكيل نيابة ، تم ياتي شقيق الشاكية بإسم الشرطة لتنفيذ القبض ، والذي رفض إظهار أمر القبض للمشكو ضده ، فقط طلبوا منه إن يلتزم الصمت ويذهب معهم بدون إبداء أي رأي ، فإلى متى يتم مثل هذا الخلط بين السلطة والنفوذ ، والمصالح الخاصة ؟ .

فإذا كان هنالك لأي شخص حق ، فليأخذه بالقانون ، وإذا كانت هناك جريمة ، فلتقم عليها البينة ولتأخذ الإجراءات مسارها الطبيعي بدون ادوات ضغط خارجية .

أما أن تتحول الخصومة التجارية إلى قوة عسكرية ، أو أن تُستخدم الرتبة ، أو الزي أو القطع العسكرية المدججة بالسلاح ، أو القرابة وصلة الدم ، أو النفوذ للضغط على أحد أطراف الخصومة ، فذلك أمر لا ينبغي أن يمر بلا تحقيق .

لأن المواطن عندما يرى قوة عسكرية مثل التي جاءت لمحل هذا الرجل كما حدث أمس ، أو رأي ضابطاً يصطحب معه ترسانة كتلك ، فهو لا يرى الشخص وحده كشخص عادي كان لديه خلاف معه ، إذ إنه يرى الدولة بكامل عتادها تقف أمامه .

ولهذا فإن إساءة إستخدام السلطة لا يضر بالضحية وحدها ، وينتهي الأمر على ذلك ، فمن المؤكد أن أي سلوك مثل هذا سيسرق شيئاً من ثقة المواطن في المؤسسات التي من شأنها حماية حقوق الشعب .

نحن لا نطلب بإدانة أحد قبل اكتمال التحقيق ، ولا نريد أن تكون الصحافة بديلاً عن النيابة أو القضاء ، ولكننا نطالب بشيء واحد فقط ، وهو فتح مراجعة جادة ومحايدة لكل ما حدث في هذه القضية .

فمن هو الذي أصدر أمر القبض في واقعة معاملة تجارية ظاهرة ؟ ، وعلى أي أساس تم ذلك ؟ ، ومن الذي نفذه؟ ، وما الذي حدث أثناء تنفيذ عملية القبض ؟ ، وكيف أصبح صاحب المصلحة ، ك(شقيق الشاكية) طرفاً في بلاغ ثاني ضد الطرف الآخر ؟ ، ومن المسؤول عن أي تجاوزات وقعت في هذه الحادثة ؟ ، هذه أسئلة مشروعة لا نريد بها الإنتقاص من هيبة الدولة ، ولكن نريد حمايتها .

فهيبة الدولة تتحقق عندما يعرف الجميع أن القانون واحد ، وأن صاحب النفوذ والرتبة يخضعان للمساءلة مثل أي مواطن آخر .

فإذا لم تتم المحاسبة عند ثبوت التجاوز ، فالمشكلة لن تبقى في حدود هذه القصة ، لأن الباب سيتسع أمام كل من يعتقد أن بإمكانه إستخدام إسم الدولة لتصفية خصومتة الشخصية ، وعند ذلك لن تضيع حقوق الأفراد فقط ، ولكن ستضيع معهم هيبة القانون وهيبة الدولة .

لعناية :

1/ قائد قطاع دنقلا العملياتي
2/ مدير شرطة الولاية الشمالية

الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا