☘️🌹☘️
كان أحد أصدقائي يريد أن يستأجر بيتاً في مدينة دنقلا ، لأن أسرته في طريقها من القاهره إلى السودان ضمن برامج العودة الطوعية وكان أمامه بيتين معروضين للإيجار ، فالبيت الأول أجمل في نظري ، ولكن سعر إجاره غالي جداً فوق حدود إستطاعته بكثير . وأما الثاني فكان أوسع ، وجميل من حيث المساحة والتقسيم ، وإيجاره لا يكاد يبلغ عشرين في المئة من إيجار الأول .
فقلت له أن البيت الأوسع والأجمل والأرخص ، يقول عنه بعض الناس إنه مسكون ، فضحك ضحكة عميقة … تلك الضحكة التي يقول بها الإنسان من غير أن يتكلم : أمعقول أنك تصدق مثل هذا الكلام الفارغ ؟ .
ثم قال لي هذه خرافات ، لا يوجد شيء اسمه بيت مسكون ، لأن عالم الجن شيء ، وعالم الإنس شيء آخر ، ولا علاقة لأحدهما بالآخر .
لم أناقشه كثيراً ، فقلت له : هل تريد أن تسمع قصة حقيقية ؟ وأبطالها موجودين معنا الآن ، وهذه القصة لم أسمعها من شخص مجهول ، ولا هي أسطورة تناقلها الناس . سأحكي لك قصة واقعية عشت تفاصيلها مع أصحابها ، وكان شهودها الشرطة ، والدفاع المدني ، ومدون بها بلاغ رسمي ، ونار في الحوائط وفي أماكن لا يوجد فيها شيء يمكن ان يشتعل أو يساعد على الإشتعال .
فالحكاية بدأت عندما إستأجر صديقي أحمد شقة واسعة في مبنى متعدد الطوابق ، وكانت شقته في الطابق الأول ، وكان أحد أقاربه يساعده ، ومعه صديقان ، في التنظيف ، ونقل الأثاث ، وتركيب الستائر ، وترتيب الغرف .
وبينما كان الجميع منشغلين بالتفاصيل الصغيرة التي تصاحب الإنتقال ، حدثت بعض الأمور ولكن لم يتوقف عندها أحد ، فقال أحدهم إنه شعر بأن هنالك شخص يطرق على زجاج النافذة ، ولم يكن الأمر منطقياً ، فالشقة في الطابق الأول وليس هنالك بلكونة خلف هذه النافذة ، ومع ذلك لم يساهد أحداً شيئاً .
فأحدهم سقط في الحمام ، فهرعوا للإطمئنان عليه ، والحمد لله لم يكن هنالك ما يدعو للقلق ، فقال لهم أنا بخير ، وإنتهى الأمر على ذلك ، فلم يسأله أحد كيف سقطت ؟ ، ولم يهتم أحد منهم بهذه التفاصيل التي تبدو عادية حداً عندما حدثت ، وبحمد الله إكتمل تجهيز الشقة .
وفي ذلك المساء ، ذهب الأخ أحمد وأحضر زوجته وأولاده ، ودخلوا الشقة حوالي الساعة الثامنة والنصف مساء ، ولم يمض وقت طويل حتى خرج أحمد لإحضار العشاء .
وعندما عاد ، قالت له إبنته الصغيرة ، وكانت في الخامسة من عمرها : يا بابا هل هذه الشقة فيها ناس غيرنا ، فتوقف أحمد عند العبارة ، ولم يفهم ماذا تقصد ، فقالت الأم سوسن إن الطفلة قالت رأت أحداً ضحك معها ، وكانت في الخامسة من عمرها ، فالأطفال في نظر الكبار ، يرون أحياناً ما لا نراه نحن .
لذلك لم يعطوا الأمر أكثر من حجمه ، فطمأنتها أمها ، وقالت لها إن ما تراه هو مجرد أحلام يقظة ، وإنتهى الليل ، أو هكذا ظنوا .
في صباح اليوم التالي ، سألت سوسن زوجها أحمد : هل فتحت باب تلك الغرفة ، قال لها لا ، فقالت له لقد أغلقته بالمفتاح ، وها هي الآن مفتوحة ، فقال لها ربما فتح بسبب الهواء ، ولم يكن هناك ما يستدعي القلق .
ذهب أحمد ليستحم إستعداداً للذهاب إلى عمله ، ولكن عندما خرج من الحمام ، رأى شيئاً جعله يتوقف عنده ، فقد رأى أحد كراسي الجلوس الضخمة مقلوباً رأساً على عقب ، فوقف أحمد لحظات ينظر إليه ، وحينها شعر بشعور غريب ، سعر بقشعريرة في جسده ، واكنه لم يتوقف كثيراً ، فأعاد الكرسي إلى مكانه وتحرك إلى الغرفة .
إرتدى ملابسه وخرج ، وبينما هو في طريقه إلى عمله رن هاتفه ، فوجده رقم غريب ، فرد عليه وكان صوت زوجته ، ولكنها كانت تبكي وكأنها تصرخ ، وهي تقول : تعال بسرعة .
فتجمد الدم في عروقه ، وسألها ما الأمر ، وماذا حدث ؟ ، وهل البنات أصابهن مكروه ، لم تجبه ، وقالت له فقط : تعال بسرعة ، وعند ذلك جن جنونه ، ورفع صوته : ماذا حدث ؟! ، وجاءه صوتها المرتجف : وهي تقول تعال وشوف ماذا يحدث في الشقة ، وإنقطع الإتصال .
لم يفكر كثيراً ، فإتصل سريعاً بصديقه الذي كان قد ساعده في تجهيز الشقة ، وطلب منه أن يلحق به إلا أنه كان خارج المنطقة ، ثم حاول الاتصال بزوجته في هاتفها ، فلم تجبه … فأعاد الاتصال بالرقم الغريب الذي ظهر في هاتفه ، فرد عليه رجل لا يعرفه ، فقال له أحمد بعد ان سلم عليه : لقد إتصلت زوجتي بي من هذا الرقم ، فأجابه الرجل : نعم ، قبل قليل كنت ماراً بالشارع ، فرأيت امرأة وطفلتين ، يبكين بحالة هستيرية ، فإقترب منهن وسألتهن عما حدث ، فطلبت مني الأم هاتفي لتتصل بك ، فأعطيتها وبعد الإتصال هدأت قليلاً ، وكنت على عجلة من أمري ولذلك تحركت ، فشكره أحمد ، وشعر بشيء من الإطمئنان ، وذلك لأنه على أقل تقدير ، أن زوجته وبناته بخير ،
وعند وصوله وجد هنالك زحمة عند المبنى ، وكانت سوسن وبناتها في حالة لا توصف من الخوف ، ووجد رجال الدفاع المدني يقومون بإطفاء حريق في الطابق الأول ، وكانت زوجته ترتجف من الخوف ، والطفلتان كذلك .
وهنا بدأت التفاصيل التي جعلت القصة تأخذ منحى آخر ، فقالت سوسن إنها كانت في الشقة مع إبنتيها ، فطلبت إحدى البنتين ماء ، فذهبت إلى المطبخ لتحضر لها الماء ، وعندما خرجت من الغرفة إلى الصالة ، فوجئت بثلاثة كراس مقلوبة رأساً على عقب ، فعدلتها ثم دخلت المطبخ .
وعندما رجعت مرة أخرى إلى المطبخ رأت ناراً ، فلم تكن ناراً عادية لأنها ليست في البوتجاز ، ولم تكن في مكان يمكن تفسير إشتعالها فيه بسهولة ، لقد كانت في سقف المطبخ في موضع ليس فيه أسلاك كهرباء ، فقط حائط خالي من المواد المشتعلة ، ولكنها كانت عبارة لهب عنيف ، فإفتكرت أنها تركت غاز البوتجاز مفتوحا ، وظنت ان الغاز إرتفع إلى هذا المكان ، فأسرعت وأغلقت أنبوبة الغاز في الحال ، إلا أن النار ما زالت مشتعلة .
ولكن ما حدث بعد ذلك كان أمراً مخيفاً ، وأكثر رعباً من النار ، فسقط اللهب من الأعلى إلى أرضية المطبخ ، ثم بدأ يتخذ شكلاً أمام عينيها ، فتحوات اللهبة إلى شيء كالبطانية داكنة السواد ، ثم إلى ثعبان صخم وكان أسود اللون كذلك .
عندها لم تعد تفكر في أي تفسير منطقي ، فهربت خاج الشقة ، ثم تذكرت بناتها ، فعادت مرة أخرى وهي مرعوبة ، دخلت الشقة وأمسكت بهما وسحبتهما معها سحب بالأرض إلى الخارج .
فدخل أحمد الشقة برفقة رجال الشرطة ورجال الدفاع المدني وما زالت النيران تشتعل هنا وهناك ، وبدا السؤال الطبيعي : هل هناك عطل كهربائي ؟ ، وهل هناك تسريب في غاز الطبخ ؟ ، وهل يمكن أن تكون النار نتيجة إلتماس كهربائي ؟ ، وهل هناك مصدر آخر للاشتعال ؟ ، وهل ، وهل … ، ولكن لقد علم الجميع أن مصدر النار شيء خارق ، وكان رجال الدفاع المدني والشرطة جزء أصيل من المشهد ، وقد تعاملوا مع الحرائق التي ظهرت في أماكن مختلفة من المنزل .
فالمشكلة أن كل مواضع الإشتعال لم تكن في الأماكن التي يمكن أن تشتعل فيها النار أصلاً مثل الحوائط ، وهنا لم تعد المسألة بالنسبة لكل الحاضرين مجرد نار ، وقد تحول الأمر إلى خوف من شيء مجهول .
لقد أصبحت هذه الواقعة من الوقائع المحفوظة في ملفات الشرطة ، وشهودها أكثر من طرف ، الشرطة ، والدفاع المدني ، والاسرة والجيران ، وشهود آخرون .
ثم جاء الجزء الذي لم يتوقعه أحمد ، عندما إتصل بصاحب الشقة ، وأخبره بما حدث ، ولكن الرجل لم يكن مصدوماً كما توقع الجميع ، فلم يقل لأحمد (ماذا تقول ؟) ، ولم يسأل بأستغراب كيف حدث هذا ؟ .
وبكل برود سأل احمد وماذا ستفعل الآن ؟ ، فقال له متعجباً : ماذا سأفعل ؟!! ، أكيد سأرحل اليوم ، وهل تتوقع مني أن أسكن في بيت يحدث فيه كل هذا وأجلس ؟ ، فرد صاحب الشقة ببرود انجليزي وقال له أنني لن أعيد لك قيمة الإيجار ، وكانت عبارة عن مبلغ ستة أشهر تم دفعه مقدماً .
عندها تغيرت المسألة ، فلم يعد الأمر مجرد قصة خوف ، فأصبح هناك مال تم دفعه مقدماً ، وعقد إيجار ، ومسؤولية صاحب عقار عن عقاره الذي يؤجره للناس .
وهنا تدخلت الشرطة ، وأمرت صاحب الشقة بإعادة المبلغ ، ومحاولة معالجة الأمر مع أحمد ، وإلا سوف يتم فتح بلاغ في مواجهته … وتحت ضغط الشرطة وافق الرجل وأعاد المبلغ و إعتذر لأحمد .
وهنا عرف أحمد شيئاً أكثر إزعاجاً من كل ما سبق ، فصاحب الشقة لم يكن يسمع عن المشكلة لأول مرة ، وكان يعرف ، ولكنه تعمد ألا يخبره بذلك .
ترك أحمد الشقة ، ولم يحاول أن يختبر شجاعته بالبقاء ليلة أخرى ، فإنتقل بأسرته إلى منزل آخر في الحي ، في مكان مكتظ بالسكان ، وما طمأنه ، كان المنزل الجديد ملاصقاً للمسجد .
وكما يقول أحمد ، لم تنته القصة تماماً ، فما حدث معهم في المنزل الجديد كان أخف بكثير مما حدث في الشقة ، ويبدو أن هناك جنياً صغيراً تبعهم ، فكان جرس الباب يرن ، وعندما يفتحون الباب ، لا يجدون أحداً .
ثم يعودوا إلى الداخل وبعد فترة يرن الجرس مرة أخرى . فيفتح احمد الباب ، ولا يرى أحد ، وظل الأمر على هذا النحو ، كما وصفه احمد مازحاً : هذا يبدو شيطاناً صغيراً تبعنا من تلك الشقة ، ولديه الرغبة في مغازلتنا ، فتعايشوا معه فترة ليست بالقليلة حتى إنتهى الأمر من تلقاء نفسه .
كان صديقي ينظر إلي وأنا أحكي هذه القصة المرعبة دون أن يضحك كما في السابق ، فقلت له : أنا لا أطلب منك أن تصدق كل ما قيل لك عن البيوت المسكونة ، ولا أطلب منك أن تعتبر كل صوت أو حركة في أي مكان دليل على وجود الجن فيه ، ولكن أنا نفسي لا أملك تفسيراً لكل ما يحدث معي في مرات كثيرة .
ثم سكت قليلاً ، وقلت له : هناك فرق بين أن تقول لي : أنا لا أؤمن بالخرافات ، وبين أن تقول : كل ما لا أستطيع تفسيره خرافة .
فكر قليلاً ، ثم سألني : هل ممكن ان ستسكن في هذا البيت الرخيص ؟ ، فقلت له سأجربه لمدة يوم واحد وبعدها أقرر ، فضحك ولكن ضحكته هذه المرة لم تكن كتلك الضحكة الأولى .
elbagirabdelgauom@gmail.com
