33.5 C
Khartoum
الإثنين, أغسطس 10, 2026

همس الحروف .. الأمن مسؤولية الجميع .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

المسيرة التي سيرها أهالي وتجار سوق السليم بدنقلا ، متوجهة إلى أمانة حكومة الولاية الشمالية ، حملت رسالة واضحة ومباشرة ، مفادها أن الأمن مطلب لا يحتمل التراخي عنه . فقد أكد أهالي وتجار السليم عن رغبتهم في أن ينعموا بالأمان ، وأن يشعروا بأن أسرهم وممتلكاتهم وأسواقهم في حماية الدولة ، وأن تتخذ الجهات المختصة ما يلزم للحد من مظاهر الجريمة والظواهر السالبة .

فالسرقة جريمة ، وترويج الخمور والمخدرات ومظاهر الانفلات كلها جرائم لا يمكن لأهالي المنطقة أن يتسامحوا معها تحت أي ظرف من الظروف ، وكل سلوك يهدد أمن الناس أو يعكر صفو حياتهم يظل مرفوض ، خاصة وأن مجتمع الولاية عُرف بإستقراره وتماسكه .

فالظواهر السالبة ظهرت بصورة أكثر وضوحاً خلال ظروف الحرب ، ومن الطبيعي مع تزايد أعداد النازحين ، أن يُفرز واقع أمني وإجتماعي جديد على الولاية ، يستدعي المعالجة بالحزم والوعي في آن واحد ، ولكن ذلك يجب ألا يقود إلى أحكام عامة تطال جميع النازحين ، فالأزمة أوسع من ذلك بكثير ، ونحتاج إلى النظر إليها من زاوية أوسع حتى تتضح الصورة أمامنا كاملة ، ولا بد من الفصل بين من إرتكب الجريمة ومن وجد نفسه في الولاية نازح بفعل الحرب .

فالولاية الشمالية تعيش منذ اندلاع الحرب واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً ، فقد أصبحت ملاذ لآلاف الأسر التي تركت بيوتها ومصادر رزقها بحثاً عن الأمان ، في مدن وقرى الولاية التي إستقبلت أعداداً كبيرة من النازحين ، وتقاسمت معهم ما لديها من موارد وخدمات ومساحات ، في ظروف معلومة للجميع ، ولم يكن أحد من الطرفين في حالة إستعداد لها .

ومن الطبيعي أن تفرز الحرب أوضاع إجتماعية وإقتصادية وأمنية معقدة ، فالفقر، والبطالة ، والاكتظاظ ، وفقدان مصادر الدخل ، وتفكك بعض الأسر ، وضغوط النزوح كلها عوامل يمكن أن تخلق بيئة مواتية لظهور الجريمة والظواهر السالبة ، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال تبرير الجريمة أو ربطها بالنازحين كجماعة ، فالغالبية العظمى من الذين نزحوا إلى الشمالية يبحثون عن الأمان فقط ، ويكافحون بالحلال من أجل لقمة العيش ، وهم في نهاية الأمر جزء من نسيج المجتمع السوداني الذي داهمته الحرب .

ولذلك فإن التعامل مع العشوائيات بإعتبارها عنوان ضخم لمشكلة أمنية فقط ، هو إختزال للموضوع ، فالحل في بالإزالة سيقود إلى فهم خاطئ للقضية وربما يفتح أبواب كانت مغلقة ، ومن الممكن أن تؤدي إلى زيادة الإحتقان الإجتماعي في الوقت الذي بحتاج فيه السودان إلى التماسك أكثر من أي وقت مضى .

فالمطلوب هو الحسم المنضبط الذي يستهدف الجريمة وليس الإنسان ، ويعالج الخلل ولا يمس وجود الأسر التي أجبرتها الحرب على النزوح .

وهنا تقع المسؤولية على عاتق شرطة الولاية والأجهزة المختصة بصورة مباشرة ، فالناس هنا لا يطلبون المستحيل ، وحل الموضوع يتمثل في دوريات أكثر ، وإنتشار أمني واسع يبعث الطمأنينة في النفوس ، وهنا لا بد من السرعة في التعامل مع البلاغات ، وملاحقة حقيقية لأصحاب السوابق ومروجي الخمور والمخدرات وكل من يستغل ظروف الحرب لبناء بؤر للجريمة ، وكذلك يجب أن يُطبق القانون بحزم وعدالة ، وأيضاً لابد من تشديد العقوبات في حدود ما يسمح به القانون ، لفرض هيبة الدولة ، وكل هذه الإجراءات كفيلة بأن ترسل رسالة واضحة للعابثين بأمن الشمالية ، بأنها ليست أرض سائبة ، وأن أمن المواطن خط أحمر .

وفي المقابل تقع على المجتمع مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية الأجهزة الأمنية ، فالأمن مسؤولية الجميع ، ولذلك لابد من مشاركة المجتمع في مكافحة الجريمة بالتعاون مع السلطات ، وعلى لجان الأحياء مراقبة الظواهر المريبة والتبليغ عنها فوراً ، فالمواطن ولجنة الحي والأسرة كلها حلقات في منظومة واحدة ، وكلما إرتفع الحس الأمني لدى المواطنين ، أصبح إكتشاف الجريمة ومنعها أسهل وأسرع .

أما قضية العشوائيات ، فهي تحتاج إلى معالجة هادئة ومدروسة تشترك فيها الحكومة والمحليات والأجهزة الأمنية والجهات المعنية بالنازحين والمجتمع المحلي ، وذلك عبر تنظيم السكن ، وحصر الموجودين ، ومعرفة الإحتياجات الضرورية ، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات ، فهذه كلها إجراءات يمكن أن تحقق الأمن من دون أن تتحول القضية إلى مواجهة بين الأهالي والنازحين .

فالنازح ليس عدو ، والمواطن الذي يطالب بالأمن ليس خصم للنازح ، كلاهما ضحية لحرب لم يختارها أحد منهم .

ومن المهم جداً في هذه الظروف الحالية ألا نسمح لبعض الأصوات بأن تستغل المخاوف المشروعة من الجريمة لإشعال فتنة إجتماعية ، أو تحميل فئة كاملة من المجتمع مسؤولية أفعال أفراد ، فهذا خطأ ، فالتعميم (من العمى) وهو ظلم ، كما أن السكوت عن الجريمة ظلم أكبر منه ، وبين الاثنين تقف الدولة والقانون ، لتحديد المسؤول عن الجريمة ، ومحاسبة المجرم ، وحماية من لا ذنب له .

من المؤكد أن المطالبة بالأمن حق مشروع ، وإزالة مصادر الجريمة واجب ، وفرض هيبة الدولة ضرورة ، ولكن الطريق إلى ذلك يجب أن يكون عبر القانون والمؤسسات المنوط بها ذلك ، والتنظيم ، وليس عبر ردود الأفعال التي قد تزيد من معاناة أناس لا ذنب لهم بالقضية ، إقتلعتهم الحرب من بيوتهم وأتت بهم إلى هنا .

الشعب السوداني لا يحتمل خصومة جديدة بين أهله ، والولاية الشمالية التي فتحت أبوابها للنازحين تحتاج إلى حماية أمنها وإستقرارها ، ولذلك فأن حل هذه المعادلة ليس مستحيل ، فمن الممكن حماية المجتمع من الجريمة ، وإحتواء النازحين .

نسأل الله أن يحفظ الشمالية وأهلها ، وأن يرفع عن السودان البلاء والحرب ، وأن يخمد كل فتنة يمكن أن تشق صف المجتمع السوداني ، وأن يعين الأجهزة الأمنية على أداء واجبها بالصورة المطلوبة ، وأن يجعل المواطنين عوناً لها في حفظ الأمن ، وألا يجعلهم جزء من المشكلة .

نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا