☘️🌹☘️
ليست كل جريمة تبدأ بالسلاح ، وليست كل عملية إبتزاز تحتاج إلى مال أو تهديد مكتوب ، أحياناً يكفي أن يرتدي شخص ما في خياله هيبة السلطة ، أو ينتحل صفة جهة أمنية ، ليضع أي مواطن أمام خيارين لا ثالث لهما ، أما أن ينفذ ما يُطلب منه ، أو أن يتحمل عواقب رفضه ، وهنا تحديداً تكمن خطورة الأمر .
القصة التي نضعها أمام الرأي العام بدأت بخلاف ، يبدو في ظاهره خلاف عادي بين مستثمر أجنبي وزبونة لمحله ، إختلف الطرفان على معاملة بينهما ، إلا أن الزبونة رأت وبحسب ما وصلنا من تفاصيل الواقعة ، أن تأخذ حقها إن كان لها حق بطريقتها الخاصة ، وبكل أسف إختارت طريق الترهيب بدلاً من الطريق الذي يتيحه القانون .
فأرسلت شخصين إدعيا أنهما يتبعان لجهة أمنية معروفة ومقدرة لدى أهل الولاية ، لأنها جهة يعرف الناس عنها المهنية والإنصباط ، وذلك لما تقوم به من مهام في تأمين البلد ، ووفقاً للرواية التي تمت أمام جمع من أمة لا إله إلا الله ، وهم شهود على هذه الواقعة ، فقد حاول الرجلان إقتياد المستثمر إلى تلك الجهة التي إدعيا الإنتساب إليها ، أو تنفيذ ما يريدانه منه ، بمعنى آخر ، إما أن تأتي معنا ، أو تنفذ ما نطلبه منك .
وهنا كان السؤال الأول ، هل هؤلاء فعلاً يمثلون تلك الجهة؟ ، ولعلمنا التام بإنضباط تلك الجهة لذلك كان لا بد من التحقق في الامر .
فعندما وصلني الأمر ، بدا واضحاً لي أن هناك شيئاً غير طبيعي ، فتلك الثقة في هذه الجهة أتت من واقع معرفتي الشخصية بهذه المؤسسة ، ومعرفة الناس بها ، فهي تقوم على تقدير واضح لمهنيتها وإنضباطها ، وذلك لأن سلوك جميع أفرادها وطريقة عملهم عنوان للجدية والمسؤولية ، ولذلك كان من الواجب الاتصال بها ، بوصفها الجهة التي جرى إدعاء الإنتساب إليها ، وكان هذا هو الطريق الطبيعي للتحقق من حقيقة الأمر وتبيان ما إذا كان لها علم بهذه الواقعة من عدمه .
تم شرح الأمر لهم ، وكان الرد واضح وسريع وحاسم ، لا علم لنا بالموضوع ، وهذه الأسماء التي وردت في الواقعة ليست ضمن الأشخاص المعروفين لديهم بهذه الصفة .
وهنا تعاملت الجهة مع الأمر بإعتباره شكوى ، وبدأت فوراّ في التحري ، وبمهنيتها إستطاعت خلال خمسة دقائق فقط وضع يدها على خيوط القضية ، وبحسب ما جرى ، تم الوصول إلى أحد أطراف الواقعة ، وتم الاتصال به هاتفياً وطُلب منه الحضور ، ومن كان معه لتوضيح ما حدث لفك الالتباس .
إلا أن الشخص ، بحسب ما سمعناه أثناء المكالمة الهاتفية عبر السماعة الخارجية وكانت مفتوحة ، أنكر فوراً الصفة التي كان قد إدعاها من قبل .
لكن القصة لم تنته هنا ،
فقد كان برفقته شخص آخر ، وبحسب الادعاء ، يحمل رتبة رائد ، ومن الواضح أن هذه الصفة ، في نظر صاحبها ، كانت كافية لتضعه فوق المساءلة ، أو على الأقل تمنحه الحق في التعامل مع الآخرين من موقع القوة .
وعندما طلب منه المناوب في تلك الجهة الحضور لتوضيح الأمر ، حاول الضغط عليه مستنداً إلى صفته المدعاة .
قال له ، بمعنى واضح : كيف تطلب مني الحضور وأنا ضابط؟ .
فجاءه الرد الذي يستحق التوقف عنده من المناوب ، الذي كان يحمل رتبة المساعد وبكل ادب ومهنية ، لم يدخل معه في إستعراض للرتب ، ولم يسمح للمكالمة أن تتحول إلى مباراة للنفوذ .
قال له ببساطة : أنا لا أعرف هويتك ، وما يهمني في هذا الموضوع أنكم إستخدمتم إسم مكتبنا ، ولذلك يجب أن تحضروا لتوضيح الأمر ، وإذا ثبت ما تدعيه من رتبة ، فستأخذ حقك المهني كاملاً ، ولكن لا بد من الحضور .
هنا تظهر المسألة الحقيقية ، فالمشكلة ليست فقط في شخص قد يكون إنتحل صفة جهة أمنية بعينها ، وكما هي ليست فقط في شخص ادعى رتبة عسكرية أو أمنية ، او حتى إذا كانت الصفة حقيقية ، لأن المشكلة الأعمق هي في العقلية التي تظن أن مجرد ذكر اسم مؤسسة أمنية يمكن أن يتحول إلى عصا في يد أي شخص ، وأن المواطن هنا يمكن إرهابه باسم القانون ، ويمكن إخضاعه بمجرد أن يقف أمامه شخص ويقول له : أنا الضابط فلان .
أي سلوك هذا الذي يُستخدم بهذه الطريقة؟ ، وأي دولة يمكن أن تستقيم إذا أصبح اسم المؤسسة الأمنية أداة للضغط على الناس بدلاً من أن يكون عنواناً لحمايتهم؟ .
إذا كان لأي شخص حق على شخص آخر ، فهناك قانون ، ونيابة ، وشرطة ، ومحاكم وأجهزة مختصة ، أما أن يتحول الخلاف المدني أو التجاري إلى تهديد أمني وقرصنة ، فهذا يفتح باباً خطيراً للغاية .
والأخطر من ذلك هو أن يتم زج إسم جهة محترمة ومهنية في هذا النوع من التصرفات ، لأن الضرر هنا لا يقع على الضحية وحدها ، ولكنه يمتد ليقع على المؤسسة التي تم ذكر إسمها لأن هذا السلوك يفقد ثقة الناس فيها .
فعندما ينتحل شخص ما صفة جهة أمنية ، أو فعلاً يستخدم صفته الامنية إذا كانت حقيقية في موضع خلاف مدني أو تجاري ، فهو لا يخيف المواطن وينتهي الأمر على ذلك ، لأنه بهذا السلوك المنحرف يسرق جزء أصيل من ثقة المواطن في الدولة ، لأن ذلك يعتبر قرصنة بإسم الدولة القانون .
لعناية
1/ لجنة أمن الولاية
2/ قائد قطاع الفرقة 19
3/الرأي العام
الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
