38.1 C
Khartoum
الإثنين, أغسطس 3, 2026

همس الحروف .. المدفعجي ، رجولة تحت الإختبار .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

الرجولة ليست هي كلمات تُقال بالأفواه ، ولا هي أوسمة تُعلق على الصدور ، ولا هي سلطة تزول بإنتهاء بقاء الإنسان في موقع إتخاذ القرار ، ولا أي شيء من هذا القبيل ، لأن الرجولة الحقة لا تظهر إلا في ساعات الشدة ، فظهررها الحقيقي عندما يضعف أكثر الناس ، ويغلب عليهم الخوف ، ويصبح وقتها الوقوف إلى جانب الحق مخاطرة لا يقدم عليها إلا أصحاب المبادئ .

ومن القصص التي تناقلها الناس عن سنوات حكم الإنقاذ ، في أيام كانت فيها القبضة حديدية ، وهي معلومة للجميع ، كان هنالك ضابط برتبة العقيد وُجهت إليه تهمة التمرد ، لأنه رفض تنفيذ أوامر كان يعتقد أن تنفيذها سيلحق الأذى بأبرياء لا علاقة لهم بما يدور في الساحة وقتها ، فكان جزاؤه أن أُحيل إلى المحاكمة ، ثم أُودع سجن كوبر ، لتتبدل حياته بين ليلة وضحاها ، من ضابط عظيم إلى مسجون ليس له قيمة في المجتمع ، ليكتشف بعد ذلك أن كثيراً ممن كانوا يحيطون به قد إختفوا عندما إشتدت محنته ، فلم يبق إلى جانبه إلا أصحاب الوفاء الحقيقي .

فأصبح الضابط المحكوم وحيداً ، فالسجن وقفة للتأمل ، فوسط ذلك الصمت المريب الذي كان يعيش فيه الرجل في السجن ، ظهر موقف بقي حاضراً في ذاكرة كل من عرفه ، فقد طرق باب السجن زائر لم يأت خفية ، ولم يخفي هويته ، ولم يحاول أن يتجنب الأنظار ، فقد دخل في وضح النهار مرتدياً بزته العسكرية بكل ما تمثله هذه اللبسة من رمزية ، وهو يعلم وقتها أن كل الإحتمالات كانت واردة ، وأن هذه الزيارة قد تجر عليه ما لا يُحمد عقباه ، إلا أنه فعل ذلك بكل شجاعة ، فكان هذا الموقف يحمل رسالة واضحة ، وهي أن الوفاء لا يسقط بالتقادم ، وأن الزمالة ليست شعار ، فهي عهد يُوفى به في أحلك الأوقات .

لقد إختار هذا الضابط الوفي أن يزور زميله عندما تناساه الكثيرون ، ليعلن بفعله قبل قوله أن الرجال لا يتركون رفاقهم في وقت الشدائد ، مهما كانت التبعات .

فهذا الموقف يعيد إلى الأذهان صورة الصحابي الجليل سلمة بن الأكوع ، عندما أغار لصوص على إبل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنطلق سلمة وحده ، ليس معه أحد يطاردهم ، ويرميهم بالنبال ، حتى ألقى الرعب في قلوبهم ، وإستطاع أن يستعيد ما تم سلبه ، فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم
(خير رجالنا سلمة بن الأكوع) .

والمقصود من هذا التشبيه ليس المساواة بين الأشخاص ، ولكني أردت الإشارة إلى قيمة الشجاعة والثبات والإقدام ، فهذه صفات يظل الناس يجلونها في كل زمان ، وفي كل مكان .

ونجد كثير من الناس يتحدثون عن الشجاعة ، ولكن قليلين منهم هم الذين يدفعون ثمنها ، وكثيرون يرفعون شعارات الوفاء ولكنهم ليس بأوفياء ، لأن الأوفياء الحقيقيين هم الذين تثبتهم المواقف .

ولعل أجمل ما في بعض الرجال أنهم لا يحتاجون إلى أن يتحدثوا كثيراً عن أنفسهم ، فمواقفهم هي التي تتحدث عنهم ، وأفعالهم هي التي تسبق أسماءهم ، أتدرون من هو هذا الضابط الذي دخل سجن كوبر بزيه العسكري لزيارة زميله المسجون في قضية تتعلق بأمن الدولة ، بدون تردد أو خوف في وقت كان مثل هذا الفعل يعد جريمة نكراء ، ضارباً بذلك المثل الأعلى في قيم الوفاء ، إنه سعادة المدفعجي ، رجل الحديد والنار ، الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم ، والي الولاية الشمالية .

هذه هي المواقف التي تمنح أصحابها الإحترام ، وتجعل أسماءهم تُذكر كلما ذُكر الوفاء ، لأن الرجال لا يتم تقيمهم بما يقولون ، لأن القيمة الحقيقية بما يفعلون عندما يعجز غيرهم عن الفعل .

ولعل ما يزيد قيمة هذه القصة في النفوس هو أنها ليست رواية منقولة عن مجالس الناس ، فلقد حكاها لي بطلها الأصلي بذات نفسه ، ذلك الضابط الذي كان يوماً خلف قضبان سجن كوبر ، ثابتاً على موقفه ، رافضاً تنفيذ أوامر ، رأى أنها ستُلحق الأذى بأبرياء لا ذنب لهم .

وقد شاء الله أن يُنصفه رب العباد بعد ذلك ، فعاد إلى المؤسسة العسكرية ، وهو مرفوع الراس ، واليوم يحمل رتبة الفريق ، ويشغل موقعاً حساساً ، ضمن هيئة قيادة القوات المسلحة ، فهذه الرحلة تختصر معنى الثبات على المبدأ ، فأحياناً قد تتأخر العدالة ، ولكنها لا ولن تغيب .

من هنا أحيي الضابطين معاً ، ذلك الذي ثبت على قناعته ولم يبع ضميره ، وذلك الزميل الذي لم يتردد في الوقوف إلى جانب زميله المسجون في أصعب الظروف ، فهو بلا فخر سعادة الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم ، والي الولاية الشمالية .

نسأل الله أن يحفظهما ، وأن يبارك في عمرهما وعملهما ، وأن يوفقهما إلى كل خير ، وأن يجعلهما سبباً في نفع العباد والبلاد ، وأن يديم على السودان نعمة الأمن والاستقرار .

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا