☘️🌹☘️
في كثير من مؤسسات الدولة تستوقفني دائماً عبارات تحمل أسماء براقة مثل (إدارة الموارد) ، وهذا ما يشعرنا بشيء من الطمأنينة والفخر ، لأن الاسم يوحي بأن هذه المؤسسة تجاوزت حدود الإنفاق والاستهلاك ، وأصبحت تفكر في صناعة الموارد وتنميتها .
فالحديث عن الموارد يعنى التخطيط خارج الصندوق ، والاستثمار ، والابتكار ، وبناء مصادر قوة حقيقية للمؤسسة والدولة .
لكن المفاجأة الكبرى تقع عندما نكتشف أن المقصود بـإدارة الموارد هو ليس معناها المؤسسي والاقتصادي الحقيقي ، وإنما هو مجرد إدارة للتحصيل وجمع الرسوم والإيرادات . وهنا يظهر الخلط المؤسف بين مفهومين مختلفين تماماً (الموارد والإيرادات) .
فالمورد هو الأصل ، أو الوسيلة ، أو النشاط الذي يولد دخلاً ، وأما الإيراد فهو الناتج المالي المتحقق من ذلك المورد ، والمورد هو الشجرة ، والإيراد هو الثمرة ، والمورد هو المشروع ، والإيراد هو ما يدره المشروع من دخل ، فالمورد يعني بناء القدرة الاقتصادية ، بينما الإيراد يعني تحصيل الناتج المالي فقط .
ولذلك فإن المكتب الذي يقتصر دوره على التحصيل لا يصح أن يُطلق عليه اسم (إدارة الموارد) ، لأن وظيفته في الحقيقة لا تتجاوز إدارة التحصيل المالي فقط ، أما إدارة الموارد بالمعنى الحقيقي ، فهي الإدارة التي تبحث عن فرص جديدة ، وتبتكر وسائل إنتاج مثمرة ، وتستثمر في الأصول ، وتفكر في تنمية المال وليس في جبايته .
إن المشكلة هنا ليست خطأ لغوي أو إداري بسيط ، بقدر ما هو في الأصل مسألة وعي مؤسسي ، وفهم لطبيعة العمل الذي يقوم به الموظف ، لأن المصطلحات عندما تختلط ، تختلط معها الأدوار والوظائف والأهداف ، وعندما يعتاد الناس على إستخدام المصطلح الخاطئ لسنوات طويلة ، يتحول هذا الخطأ تدريجياً إلى أمر واقع ومألوف ، ثم يصبح بعد ذلك من الثوابت التي لا يجرؤ أحد على مناقشتها ، وهذه واحدة من أخطر آفات العمل الإداري .
نحن بحديثنا هذا لا ننتقد الأشخاص بقدر ما ندعو إلى تصحيح المفاهيم ، فالموظف الواعي هو الذي يفهم فلسفة العمل الذي يقوم به ، ومعناه ، وحدوده ، وأهدافه .
والمؤسسات لا تُبنى بالتحصيل وحده ، لأن البناء الحقيقي يبدأ بدقّة المفاهيم وسلامة اللغة الإدارية ، فاللغة هي انعكاسٌ طبيعي لطريقة التفكير .
من المهم أن نُنشئ جيلاً جديداً من الموظفين يُدرك حجم الفرق بين صناعة المورد وتحصيل الإيراد ، ونريده أيضاً ألا يُكرر الأخطاء الشائعة لقدم تداولها تاريخياً ، ولهذا نريد جيلاً يمتلك الشجاعة للمراجعة والتصحيح ، فالتطوير الإداري يبدأ من تصحيح كلمة ، لأن الكلمة الصحيحة تقود إلى فهم صحيح ، والفهم الصحيح يقود إلى ممارسة صحيحة .
لا بد من توطين الثقافة المؤسسية التي تُسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية ، وألّا نخلط بين الوسيلة والنتيجة ، وبين الأصل والعائد ، فالدول التي تتقدمت هي تلك التي تعرف كيف تصنع الموارد أولاً ، ثم كيف تُدير إيراداتها بكفاءة بعد ذلك .
ولعل أجمل ما يمكن أن نغرسه في بيئات العمل هو احترام المعاني قبل المباني ، والفكرة قبل اللافتة ، لأن وضع اللافتات على الأبواب لا يستغرق عدة دقائق ، وأما بناء الوعي فيحتاج إلى سنوات طويلة للمعالجة وتصحيح المفاهيم .
