☘️🌹☘️
في قرية الدويمات الوادعة ، جنوب شندي ، ذات الطبيعة التي تسحر عيون ناظريها قبل أن تُغازل قلوبهم ، نجد فيها أناس قد تشبعوا بهذه الطيبة ، وتوارثوا الكرم الأصيل أباً عن جد ، وتزينوا بعوالي القيم والأخلاق .. وفي رحاب هذه المعاني نشأت الحاجة أمية عبد الله محمد شيخ ، تلك المرأة التي سطرت إسمها في سجل العصاميين بالعرق ، وصدق الدموع وقوة الإيمان ، فكانت قصتها قصة صبر وكفاح .
هذه المرأة إختطف الموت زوجها في العام 1985م ، وترك لها حملاً ثقيلاً ومسؤولية عظيمة ، أطفالاً صغاراً ، وكان أكبرهم لا يزال في الصف الثاني الثانوي ، وهذا الحمل كان كفيلاً بأن يُثقل كاهل الجبال ، لكن الحاجة أُمية واجهته بثبات نادر ، وربطت الحجر على بطنها ، وقررت أن تخوض معركة الحياة ، مستندة إلى يقينها بالله وعزيمتها القوية في مواجهة الصعاب .
وقف بجانبها والدها ، عبدالله محمد شيخ بليل ، ذلك الرجل الصالح الحافظ لكتاب الله ، وكان لها خير سند وعون ، فمكث معها قرابة الثلاث سنوات يشد أزرها ويخفف عنها وطأة الطريق ، وقرر أن يتحمل عنها عبء النفقة ، لكنها أبت بعزة نفس وكرامة ، وإختارت أن تطرق أبواب الرزق الحلال بنفسها ، وأن تصنع لأبنائها مستقبلاً يُبنى بالكد والتعب .
كانت حازمة في تربيتها ، لا تساوم على الصلاة ولا تقبل التهاون فيها ، تغرس في قلوب أبنائها مخافة الله قبل كل شيء ، ومع ذلك ، كانت أماً حنونة ، يفيض قلبها بالحب ، وطيبة المعشر ، قريبة من أهلها ، محبوبة لدى جيرانها ، لا يُذكر اسمها إلا مقروناً بالخير والوفاء .
لم يتوقف عطاؤها عند أبنائها فقط ، فقد إمتد لكل من حولها ، كانت محسنة في صمت ، تُنفق في الخفاء من القليل الذي إدخرته لإبنائها ، تسد حاجة هذا ، وتواسي ذاك ، دون إنتظار شكر أو ثناء من أحد ، كانت ترى في العطاء عبادة ، وفي قضاء حوائج الناس طريقاً إلى رضوان الله ، وهي مؤمنة ب(من سعى في قضاء حوائج الناس ، سعى الله في حاجته) .
وتمر السنوات ، وهي تحمل هذا الثقل ، الذي أثمر ، وهي تسقيه بدموعها وصبرها ، فربح بيعها (رجالاً يرفعون الرأس) منهم المحامي الذي يدافع عن الحق ، والمهندس الذي يبني ، والمحاسب الذي يُحسن التدبير ، والموظف الذي يخدم بإخلاص ، وكل واحد منهم يعتبر شهادة حية على عظمة تلك المرأة .
لقد كانت حياتها سفراً في الورع والتقوى ، ومثالاً حياً للخلق القويم ، فلم تركن للدنيا ، ولم تغرها زخارفها ، وجعلت منها معبراً إلى الآخرة ، تزرع فيه الخير وتحصد الأجر ،
وحين جاء أجلها ، رحلت بهدوء كما عاشت ، تاركة خلفها سيرة تفوح عطراً في المجالس ، وذكرى لا تغيب عن القلوب ، رحل الجسد ، وأثرها باقي في أبنائها ، وفي دعوات من عرفوها ، وفي كل يد إمتدت لها يوماً بالعون .
رحم الله الخالة أمية رحمةً واسعة ، وأسكنها علالي فراديس الجنان ، وجعل ما قدمت في ميزان حسناتها ، لقد كانت إمرأة من زمنٍ نادر ، إذا ذُكرت ذُكر معها الصبر والكرامة والإيمان .
اللهم إنا نسألك وانت الحنان المنان ، أن تجعل قبرها روضةً من رياض الجنة ، وأجمعها بمن أحبت في دار لا فراق بعده .
(اللهم آمين)
