☘️🌹☘️
في صباح يوم السبت ، الخامس عشر من أبريل 2023 ، كان مطار الخرطوم الدولي ، يبدو كما عهدناه دائماً ، بوابة للوداع واللقاء ، وكان مسرحاً لمشاعر تختلط فيها الدموع بالآمال .
لم يكن ذلك اليوم مختلفاً عن بقية الأيام التي سبقته ، فقد امتلأت الصالات بالمسافرين ، والساحات بالمودعين ، وتعالت أصوات النداءات ، وكانت الحقائب تتحرك على السيور في منظر مألوف في مطار الخرطوم .
كنت هنالك يومها مودعاً الأخ العزيز الاستاذ عبد الله الهاشمي (أبو نسرين) ، الملحق الثقافي السعودي في السودان ، في لحظة إنسانية دافئة رغم مشقة الصيام ، جلسنا في إحدى الصالات الهادئة المخصصة لكبار الزوار ، نستعيد الذكريات ونتبادل الأحاديث ، ولم يكن في الأفق ما ينذر بأن هذا المكان سيصبح بعد دقائق شاهداً على أكبر الكوارث التي مرت علينا في تاريخ بلادنا الحديث .
وبعد أن تم إعلان صعود الركاب الي الطائرة التي كانت تتبع للخطوط الجوية العربية السعودية من طراز إيرباص A330 ، وإستعدت للإقلاع في رحلتها رقم SV458 نحو الرياض ، وقبل وصول الطائرة لبداية المدرج كانت الأحوال عادية في جدول الطيران ، رحلة كانت كغيرها من الرحلات ، تحمل ركاباً يحلمون بالوصول ، وأهلاً في الخارج ينتظرون ، (مودعين ومستقبلين) .
فجأة تبدل كل شيء ، فإذا بأرتال من العربات القتالية تدخل ساحة المطار بدون مقدمات ، فسمع دوى إنفجارات هائلة هزت سكون المطار وحولته إلى ساحة رعب ، فتم إستهداف الطائرة في مؤخرتها ، وهي على المدرج في اللحظات الأخيرة التي تسبق الإقلاع بدقائق معدودة ، وحينها تحولت الطمأنينة إلى خوف ، ولو لا تدخل العناية الإلهية لما تمكن الركاب وطاقم الطائرة من النجاة ، فزحفوا على بطونهم من المدرج نحو الأمان ، وسط الدخان والهلع ، في منظر رعب لن يمحى من ذاكرة كل من شاهده ، ولاحقاً إلتهمت النيران الطائرة بالكامل ، لتصبح رمزاً لبداية مرحلة مظلمة عاشها السودان .
منذ ذلك اليوم أُغلقت الأجواء ، وسكتت الحياة في مدارج مطار الخرطوم الدولي ، وغابت حركة الطائرات التي كانت تربط السودان بالعالم ، فأصبح المطار سكنه عسكرية للمليشيا (قاتلهم الله) .
بعد ثلاثة أعوام من تلك الحادثة التي أُخططفت فيها عاصمة بلادنا ، بدأت ملامح الأمل تعود تدريجياً ، إلى أن هبطت أول طائرة أجنبية في رحلة دولية قادمة من الكويت ، وهي تتبع للخطوط الجوية الكويتية ، وعلى متنها مئات السودانيين العائدين ، إنه يوم أمس ، فكانت لحظة غامرة بالمشاعر ، عجز فيها الكثيرون عن حبس دموع الفرح الممتزجة بوجع الذكريات ، فقد حمل هذا الهبوط رسالة قوية للعالم بأن الحياة بدأت تستعيد إيقاعها ، وأن الخرطوم إستعادت شيئاً من عافيتها ، رغم ما مرت به من دمار ، ولا تزال قادرة على القيان من جديد ، وإستعادة دورها ومكانتها .
يعود اليوم الحديث عن إعادة تأهيل المطار وإستيفاء معايير السلامة التي يضعها الاتحاد الدولي للنقل الجوي ، لطمأنة العالم ، ولإعادة الثقة في الأجواء السودانية ، وإنها مرحلة تتطلب عملاً وجهداً مشتركاً ، ولابد أن تظهر فيه إرادة هذا الشعب الصابر والمحتسب الذي يتطلع إلى الاستقرار والانفتاح من جديد .
وتبقى تلك اللحظات محفورة في دواخلنا ، منذ ذلك اليوم الذي ودعنا فيه الأحبة في مطار الخرطوم الدولي دون أن نعلم أن الوداع سيطول ، إلى أن أتى اليوم الذي أدركنا فيه كيف يمكن للحياة أن تنقلب في لحظة ، ونحن نحمد الله كثيراً على ما كان من لطفه … ومع كل طائرة تهبط يكبر الأمل بأن الخرطوم ستعود كما كانت ، مدينة تنبض بالحياة ، ومطارها بوابة مفتوحة للعالم .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
