☘️🌹☘️
ما جرى في حي بري بالخرطوم لا يفسر كحادثة يمكن طيها في زحمة الأخبار هكذا بدون وقفة ، لأنها تعتبر مؤشر مهم يقودنا إلى حالة الإحتقان العامة التي يعيشها الشارع السوداني في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ السودان .
تفاصيل حادثة بري التي تداولها الناس عبر مقطع فيديو لشابين ، قيل إنهما أقدما على تتريس الشارع وهتفا بشعارات تؤكد إستمرار الثورة ، فكان الرد عليهما عنيفاً من معظم سكان حي بري الذين إعتبروهما من أنصار قوى الحرية والتغيير .
من حيث المبدأ ، لا يمكن تبرير ما حدث ، وهي قطعاً تعتبر شريعة الشارع التي لا تختلف كثيراً عن شريعة الغابة ، وهي مرفوضة تماماً جملة وتفصيلاً ، لأن العدالة لا تتحقق بأخذ الحق باليد ، ولا يجوز أن يتحول الخلاف السياسي إلى عقاب جسدي أو تصفية حسابات في الطرقات ، لأن الدولة حاضرة وقادرة عبر أجهزتها العدلية أن تفصل في أي أمر ، وهي الجهة الوحيدة المخول بالفصل في النزاعات و الخلافات ، ومحاسبة المخطئين ، وأي تجاوز لهذا المبدأ يفتح الباب للفوضى التي يدفع ثمنها الجميع .
ولكن وفي الوقت ذاته ، لا يمكن قراءة الحادثة بعيداً عن المزاج العام للشعب ، لانه في المقابل يعيش جراحاً مفتوحة ، وذاكرة مليئة بالمآسي ، ومواقف صعبة لا يمكن نسيانها ، فالشعب هنا حسم موقفه تجاه كل من ساند المليشيا ، أو اصطف مع جناحها السياسي ، وما حدث يمثل قناعات ترسخت في وجدان الشعب عبر تجربة مريرة ، فقد الناس فيها كل شيء ، وقاسوا منها كثيراً ، فالامر بالنسبة لهم يعتبر إمتحان دموي مرير .
وقد تزامنت هذه الحادثة مع ظهور (حميدتي) في كمبالا ليضيف إلي الموقف المحتقن بعداً رمزياً جديداً ، خاصة أنه بدا حريصاً على تأكيد حضوره وإثبات أنه ما زال حياً ، وموجوداً في الساحة ، وقد خاطب أنصاره الذين هتفوا باسمه وبحياته ، وبحكومة تأسيس ، غير أن جوهر الموضوع لا يكمن في كونه حياً أو ميتاً ، أو حاضراً على المنصات أو غائباً ، لأن أمر حياته تم حسمه ، فهو بالنسبه للشعب ميت ولو قام بعرضة (الصقرية) ، لأن الشعب حسم موقفه سياسياً وأخلاقياً تجاه مشروعه الدموي ، وتجاه كل ما ارتبط به .
إن بري التي عُرفت بأنها قلعة من قلاع الثورة ، وشكلت رمزاً قوياً لمزاج عام في السابق كان يرفض الخضوع ويقاوم الانكسار ، ولكن ما جرى فيها مؤخراً ، رغم رفضنا القاطع لما تعرض له الشابان ، فان ذلك يعكس تحولاً واضحاً في المزاج الشعبي ، وهذا التحول يعبر عن رفض الشعب القاطع لأي محاولة لإعادة تدوير الوجوه ، أو تجميل صورة كل من ساند المليشيا ، مهما تغيرت العناوين أو تبدلت الشعارات .
حتى لو جاءت تسويات سياسية لاحقة ، وحتى لو فُرضت ترتيبات جديدة على طاولة التفاوض ، فإن ذاكرة الشعب السوداني بعد الحرب ليست كقبلها ، فهي ليست صفحة بيضاء يمكن طيها أو تجاوزها ، وعلى الجميع أن يدرك أن أي تسوية لا تراعي وجع الناس ، ولا تعترف بما جرى ، ولا تضع العدالة في موضعها الصحيح ، لن تجد قبولاً من هذا الشعب المغبون ، ولن يُكتب لها الاستقرار .
الرسالة الآن باتت واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار أمام الجناح السياسي للمليشيا ، لأن الشارع السوداني قال كلمته ، وحسم موقفه تجاههم ، من يراهن على أن الذاكرة السودانية ستنسى ، أو أن الغضب سيتبدد بلا عدالة ، أو أن الناس ستتسامح بلا شروط ، فهو واهم ، واهم ، واهم ، وخاسر الرهان قبل أن يبدأه ، ومن أراد أن يقيس شعبيته بالفعل فليترك منصات الفنادق ، والبيانات في تلك الدول المعلومة ، وليأتي إلى أرض الواقع بنفسه ، ليختبر حضوره وسط الناس في أي مدينة أو قرية داخل السودان ، هناك فقط تُعرف الأحجام ، وتنكشف الأوهام ، فالماء كما يقول المثل يكذب الغطاس ، وحادثة بري ليست ببعيدة .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
