25.6 C
Khartoum
السبت, فبراير 21, 2026

همس الحروف .. مسؤولية الكلمة بين الخيال والسخرية ، خصوصاً إذا لامست الشأن العام .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

في فضاء الكتابة الصحفية تتسع المساحات بين الخبر والرأي ، بين السرد الواقعي والتخييل الأدبي ، وبين النقد المشروع والسخرية اللاذعة ، غير أن هذه المساحات ، على سعتها ، تظل محكومة بميزان دقيق اسمه (المسؤولية) ، فالكلمة التي تتناول الشأن العام لا تعود ملكاً خالصاً لكاتبها ، وتصبح بعد ذلك جزءاً من وعي جمعي يتشكل ويتأثر بما يُكتب .

المقال الذي نشره الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ عثمان ميرغني تحت عنوان سقوط القمر الصناعي في الولاية الشمالية ، جاء في قالب قصصي ساخر ، وعندما وجهنا إليه السؤال فيما كتبه ، أجاب أنه من قبيل الخيال العلمي ، غير أن القراءة المتأنية للنص تكشف أن البناء السردي لم يكن منصرفاً إلى فرضية علمية بقدر ما كان موجهاً إلى تصوير إدارة الولاية في هيئة غير مسؤولة ، تقوم بتكوين لجان لإستقبال هذا القمر الصناعي المزعوم ، وتُعد ميزانيات ضخمة لحدث في أصله خيال ، وتُطلق تصريحات لا يقرها منطق أو عقل .

السخرية في حد ذاتها فن أدبي رفيع ، عرفته الثقافة العربية قديماً وحديثاً ، وإستخدمه كبار الكتاب كوسيلة لكشف مواطن الخلل في المجتمع ، والإدارة والسياسة ، غير أن هذا الفن يقوم على دقة في التوازن ، إذ لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإيهام القارئ بوقائع لم تحدث ، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسات عامة أو أشخاص إعتباريين بأعيانهم .

كما أن المتلقي البسيط لا يملك أدوات التمييز بين المجاز والحقيقة ، قد يقرأ النص بوصفه تقريراً صحفياً مؤكداً ، لا سيما حين يصدر عن قلم صحفي له مكانته في عالم الصحافة ، وله تجربته الضخمة ، وهنا تتعاظم المسؤولية ، فالثقة التي راكمها الكاتب الأستاذ عثمان عبر سنوات طويلة تصبح جزءاً من قوة النص وتأثيره على الناس ، وقد تفضي إلى الإلتباس بين التخييل ، والاتهام الضمني .

ليس الاعتراض هنا على حق الكاتب في النقد ، فالنقد ضرورة من ضرورات العمل الصحفي ، وبه تصح المسارات وتُقوم الأخطاء ، وهنا يأتي إعتراضنا على الأسلوب الذي جعل الخيال إطاراً لإتهامات توحي بتبديد المال العام ، وسوء التقدير الإداري ، وفوضوية القرارات التي نشأت من واقع إفتراضي ، أو خيال علمي كما أسماه الكاتب .

إن الفرق بين الرمز الأدبي والنيل من السمعة فرق دقيق ، لكنه جوهري ، فهل الأستاذ عثمان ميرغني في حاجة إلى مثل هذا النوع من الكتابات التي تفتح باب التأمل وتثير الأسئلة ، وتشوش على مواطني الولاية ، بالإيحاء بوقائع غير صحيحة ، وبذلك قد قد يرسخ عند الناس صوراً ذهنية سالبة يصعب محوها لاحقاً ، حتى إذا نفى الكاتب صحة ما كتبه ، وقال بعد ذلك إن الأمر لا يعدو كونه خيالاً علمياً ، وأنا أتساءل أين العلم هنا ؟؟ .

الصحافة السودانية بتاريخها العريق ، عرفت أقلاماً ناقدة جسورة ، لكنها ظلت في أفضل تجلياتها حريصة على أن يكون النقد مؤسساً على وقائع حقيقية محددة ، وأن تكون السخرية أداة إصلاح لا وسيلة تشويه ، ومن هنا يأتي النقاش حول هذا المقال ، وينبغي أن يكون فرصة لإعادة التأكيد على أخلاقيات المهنة ، وخصوصاً وجوب وضوح الفصل بين الخبر والتخييل ، وبين النقد الموضوعي والاتهام الضمني .

إن حرية التعبير قيمة عليا ، لكنها تقترن دائماً بالمسؤولية ، والكاتب كلما علا قدره تضاعف أثر كلمته ، وإتسعت دائرة تأثيرها ، ولعل الأجدر بنا جميعاً كتاباً وقراء ، أن نجعل من مثل هذا المقال مناسبة تحدد حدود السخرية ، ودور الصحافة في البناء وليس في إرباك الرأي العام .

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا