34.8 C
Khartoum
الإثنين, يونيو 22, 2026

همس الحروف .. بفقد النعيم حسن محمد على يصبح القلب وطناً للوجع .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

ليست كل محطات العمر سواء ، فبعضها يترك في الروح ندبة لا يراها الناس ، لكنها توخذ صاحبها في كل نبضة وفي كل شهيق ، والفقد شيء لا يحتمل ، يا لمرارة الفقد ، فهو المحطة التي تتوقف عندها الأيام مهما حاولنا المضي بها ، وتُخلف وراءها فراغاً لا يملؤه شيء إلا الحزن ، غير أن الأصعب من الرحيل هو أن يغيب عنك صوت من أحببت و نحن ننعم بالحياة في ظروف قسرية ليس للناس يد فيها ، والاصعب منه أن يصلك خبر فقد من تحب متأخراً ، فتتضاعف الصدمة ، ويتشظى القلب مرتين ، مرة حين تسمع النبأ ، ومرة حين تدرك أنك لم تودع .

النعيم ،اسم كان يحمل صاحبه نصيباً وافراً منه ، نشأ في قلبه بياض ، وفي ملامحه سماحة ، وفي خُلقه سعة صدر لا يضيق بها أحد ، كان أخاً عزيزاً لا تجمعني به صلة دم ، فجمعتنا صلة الروح التي ربطتني بجميع أفراد أسرته ، غادر في بداية الطريق باحثاً عن العلم ، متوشحاً بطموحه الواسع ، فجعل من مدريد أولى محطّاته ، وحمل من السياسة علماً ، ومن الفهم حكمة ، ومن الغربة صبراً ، وشخصية تشبه قمراً يزداد اكتمالاً كلما إبتعد عن الأرض ، وما أجمل النعيم حينما كان يتحدث عنه في ذلك الوقت المقداد والطيب وعمر .

كبر العمر بنا جميعاً ، غير أنه ظل شاباً بروحه ، ندياً بابتسامته ، ممتلئاً بذلك النور الذي لا يصنعه إلا القلب الطيب ، كان يزرع محبته في من حوله بلا جهد ، فكان يكفي حضوره كي يلين القاسي ، ويهدأ له المتوتر ، ويفيض المكان دفئاً بوجوده لا يعرف مصدره إلا من عرفه .

ثم جاءت الحرب ، وجاء الشتات ، وصار كل منا يعيش على حافة وطن غائب ، يجمع أشتات روحه ويخفي دموعه عن أهله ، وفي وسط هذا التمزق ، تأتي رسالة في هاتفي (رسالة واحدة) من عدة أشخاص تحمل خبراً يهوِي على القلب كالسهم (رحل النعيم) .

يا لوجع الرسائل حين تصبح ناقلة للموت ، ويا لثقل الكلمات حين تأتي بلا مقدمة ، بلا تمهيد ، بلا فرصة ليلتقط القلب أنفاسه ، وصلت الرسالة ، ولكن وعكة صحية ألمت بي حالت بيني وبين قراءتها ، وحين فتحتها بعد يومين ، انفجرت الصدمة دفعة واحدة كالقنبلة الهيدروجينية ، رحل الذي لم تشبع الأيام من حضوره ، ولم تترك لنا فرصة الجلوس معه أو حتى لنقول كلمة وداع واحدة .

تسألني نفسي : من أُعزي ؟ ، وأين أذهب ؟ ، وكيف أواسي أهله ، وأحبتي وأنا في شتات ، وهم في شتات آخر ، والمسافات بيننا جميعاً تشبه جبالاً من الألم .

رحل النعيم حسن محمد علي في صمت يشبه صمت الكبار ، كما اختار مدريد يوماً نقطة انطلاق لثورته المعرفية ، إختار القدر أن يخطفه ونحن تفصلنا المسافات عنه ، دون مقدمات ، دون ضجيج ، فحينما عاد من أسفاره متوشحاً بالعلم والأمل ، لا يدري أن خبيئة القدر تعد له موعداً لا عودة منه .

واليوم لا يجمعنا إلا الحزن ، والكل في شتاته ، وفي غربته ، نتقاسم الذكرى عبر هاتف بارد لا يعرف معنى العناق ، ولا حرارة اليد ولا دمعة العين .

اللهم ارحم النعيم الرجل الكريم ابن الكريم ، والأخ الذي لا يُعوض ، والروح التي تبقى حاضرة مهما غابت ، اللهم اجعل جنة النعيم مقامه ، وأنزل على قلب أهله صبراً جميلاً ، وامنح إخوته الطيب ، والمقداد ، وعمر وعيسى ، وأخواته أمل ، وأماني وفتحية سكينة تعينهم على ما نزل بهم من مصاب جلل ، اللهم اجبر كسر قلوبنا ، وبدد عنا مرارة الفقد ، ولا تحرمنا أجره ، ولا تفتنا بعده .

رحمك الله يا النعيم ، رحمة تنير قبرك ، وتسكن روحك ، وتبقى في أثرك نوراً لا ينطفئ .

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا