39 C
Khartoum
الإثنين, أغسطس 3, 2026

همس الحروف .. خسئ كل من أحرق إسم السودان في المحافل الدولية .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

قبل يومين ، في 31 يوليو ، نشر خالد عمر يوسف مقالاً في صحيفة Washington Examiner الامريكية تناول فيه الحرب الدائرة في السودان ، مستنداً إلى إتهامات تتعلق بإستخدام الجيش السوداني لأسلحة كيميائية ، كما طرح رؤية تربط المؤسسة العسكرية بنفوذ الإسلاميين والإرهاب ، وعلاقات مشبوهة للحكومة السودانية مع إيران ، وقد وُجه المقال بالأساس إلى القارئ وصانع القرار الأمريكي ، ولم يقتصر على عرض تطورات الحرب ، ولكنه سعى إلى تأطير السودان ضمن قضايا شديدة الحساسية في العقل السياسي الغربي ، مثل الإرهاب ، والأسلحة الكيميائية ، والنفوذ الإيراني ، في محاولة لإقناع واشنطن بأن ما يجري في السودان يمثل تهديداً مباشراً للمصالح الامريكيه .

فهل يخدم هذا النوع من الخطاب قضية السودان ، أم أنه يرسخ في الذهنية الغربية صورة قد تبقى ملازمة للدولة السودانية لسنوات طويلة ، بغض النظر عن تبدل الحكومات أو تغير موازين القوى؟ ، فالحكومات دائماً تأخذ زمنها وتتغير بعد ذلك ، أما الصور الذهنية التي تُبنى في دوائر الإعلام وأماكن صناعة القرار في الغرب ، فغالباً ما تستمر آثارها لعقود من الزمان ، ويكون المواطن السوداني هو أول من يدفع ثمنها في علاقاته الخارجية ، وفرص الإستثمار ، وسمعة بلاده .

بهذه الصياغة تنتقل القضية من خلاف سياسي داخلي إلى نقاش حول المسؤولية الوطنية عند مخاطبة الخارج ، فالمشكلة هنا ليست في أن تختلف القوى السياسية حول الجيش أو الحكومة أو مستقبل الحكم في السودان ، فالإختلاف حق ، والنقد ضرورة في أي مجتمع ، ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخصومة الداخلية إلى خطاب يُقدم للخارج بلغة تهديد الأمن القومي للغرب ، ويُعاد تعريف السودان في الوعي الغربي بإعتباره مصدر تهديد ، وليس دولة تعاني من حرب تحتاج إلى حل .

يبدو أن بعض القوى السياسية ، وهي معلومة للجميع ، تراهن على أن تشديد الضغوط الخارجية ورفع سقف الإتهامات سيؤدي إلى إضعاف خصومها السياسيين ، ولكن مثل هذا الرهان يحمل مخاطرة أكبر من أي مكسب سياسي مؤقت ، فالدول الكبرى لا تعتمد سياساتها على الإنطباع او العاطفة ، فهي دول تقوم على المصالح ، وما يُرسخ اليوم في مراكز القرار والإعلام الغربي عن السودان قد يتحول غداً إلى سياسة دائمة ، لا تزول بزوال الحكومة ولا بتغير القيادة الحالية أو حتى التي تأتي بعدها .

إن تصوير السودان بإعتباره بؤرة للإرهاب ، أو ساحة للأسلحة المحظورة ، أو إمتداد لمشروعات إقليمية معادية ، قد يحقق أثراً دعائياً في لحظة سياسية معينة ، لكنه يترك ندوباً طويلة الأمد على سمعة الدولة ، وسيؤثر في الاستثمار ، والعلاقات الخارجية ، وحركة المواطنين ، وحتى على قيمة الجواز السوداني ، وعندما تُفرض العزلة على السودان ، فإن المواطن العادي هو أول من يدفع ثمنها ، بينما تجد النخب السياسية دائماً طُرقاً أخرى للتكيف مع أي وضع .

السودان لا يحتاج إلى خطاب يجعل العالم ينظر إليه بإعتباره مهدداً لامنهم القوي ، فإذا توفر الوعي الوطني كان من الممكن إحتواء ذلك بأي صورة من الصور ، فهناك فرق كبير بين محاسبة المسؤولين عن الأخطاء والجرائم ، وبين إلصاق أوصاف تبقى عالقة بالدولة كلها لسنوات وربما لعقود .

قد تكسب بعض القوى السياسية معركة إعلامية لحظية ، أو تحقق حضوراً في دوائر القرار الخارجي ، ولكن إذا كان ثمن ذلك ترسيخ صورة سلبية عن السودان في العقل الغربي، فإن الخسارة ستكون وطنية قبل أن تكون سياسية ، فالحكومات تتغير ، والتحالفات تتبدل ، أما صورة السودان في الوعي الدولي فتحتاج لسنوات لتصحيح ما تم تشويهه .

الوطنية تقتضي أن يكون الخلاف السياسي داخل حدود المصلحة العامة ، وأن يبقى السودان أكبر من أي صراع حزبي أو رهان مرحلي ، فما يُكتب اليوم في صحف العالم سيصبح جزء من السياسات التي سيدفع ثمنها كل سوداني ، مهما كان موقعه أو موقفه السياسي .

ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا