☘️🌹☘️
العاصمة الخرطوم ، التي نالت منها الحرب ما نالت ، وأنهكها الخراب الذي طال كل مؤسساتها ومرافقها ، تقف اليوم أمام استحقاق العودة بوصفها جزء من مشروع واسع لإعادة البناء والتعافي ، وفتح الطريق أمام مدينة أكثر حداثة مما كانت عليه في السابق لجعلها ذات قدرة على استيعاب المستقبل .
فالعودة إلى الخرطوم هو مشروع اكبر من كونه إنتقال مكاني ، لإنها في معناها الأوسع علامة على إستعادة الحياة لطبيعتها الأولى ، فقد بدأت تستعيد حركتها ، وتفتح أبوابها من جديد للعمل والعمران ، ولإعادة بناء ما دمرته الحرب بروح تتطلع إلى غد أكثر إستقرار .
من هنا تتجلى عودة كلية النهضة إلى الخرطوم أكثر من كونها حدث أكاديمي ، لأنها في حقيقة الأمر جزء من المشهد الأوسع لعودة المؤسسات والخدمات ، وعودة الناس إلى مدينتهم ، بعد أن دفعتهم ظروف الحرب إلى النزوح داخل وخارج البلاد .
واليوم نرفع القبعات للمبادرات التي أطلقتها مؤسسات التعليم العالي لتسهيل عودة الطلاب وأعضاء هيئات التدريس ، وتتجدد الآمال في أن تستعيد العاصمة عافيتها شيئاً فشيئاً ، وفي مقدمة هذه المبادرات تأتي مبادرة (عودة الأمل) بقيادة رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس ، وبجهود وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، باعتبار أن عودة الخدمات الأساسية ، وفي مقدمتها التعليم والعلاج ، تمثل مدخلاً مهماً لاستعادة الحياة للعاصمة وإستقرارها .
وفي يوليو 2025 ، كانت كلية النهضة أول مؤسسة عادت إلى الخرطوم ، لتبدأ مرحلة جديدة من مسيرتها ، وقد إستقبلت الكلية في تلك الفترة أول وفد من وزارة التعليم العالي ، في زيارة إرتبطت بإجراءات ترفيعها إلى جامعة ، وهي خطوة ظلت النهضة تعمل من أجلها منذ سنوات بعيدة ، بعدما إستوفت ، كل المعايير المطلوبة للإنتقال إلى مرحلة الجامعة .
ولم يكن بلوغ هذه المرحلة وليد اللحظة ، فلقد كان ثمرة مسيرة بدأت منذ تأسيسها ، عندما وضعت المعايير الأكاديمية والجودة في صميم رؤيتها ، انطلاقًا من إيمانها بأن مؤسسة التعليم العالي لا تكتمل رسالتها إلا بقدرتها على إعداد خريجين يمتلكون المعرفة والمهارات اللازمة ، ويستطيعون المنافسة بكفاءة في سوق العمل ، داخل السودان وخارجه .
وتتجلى ثمار هذا المسار في حضور عدد من خريجي النهضة في مؤسسات ومجالس علمية ومهنية متعددة على المستوى العالمي والإقليمي ، وكذلك في إجتياز معظم خريجيها للامتحانات المهنية التي تؤهلهم لمواصلة الدراسات العليا والتخصص والعمل في مجالات متنوعة ، كما عملت المؤسسة على تعزيز الاعتراف بمؤهلات خريجيها ، وحصلت على إعتراف كل من البورد الأمريكي والبورد البريطاني ، بما يدعم حضور خريجيها في المسارات المهنية والأكاديمية المختلفة ، ويوسع آفاقهم لمواصلة التعليم والتخصص والعمل داخل السودان وخارجه .
وعند الحديث عن مسيرة النهضة، لا يمكن تجاوز اسم الراحل البروفيسور يونس عبد الرحمن ، مؤسس الكلية ، الذي ظل اسمه شامخاً في كل محطة من محطات تأسيسها وتطورها ، فقد كان معلماً ومربياً ومؤسساً ، وواصل العمل في ظروف لم تكن سهلة ، لإيمانه التام بأن بناء أي صرح تعليمي رصين يحتاج إلى صبر طويل وإرادة قوية .
وكما لا يمكن ان نتحاوز دور الدكتورة إيمان بشير نور الدائم عميد الكلية وعرابها ، التي شاركت في التأسيس ، وفي تقدم مسيرة الكلية ونقلها نقلة نوعية مشهودة ، وقد أسهمت في بناء تجربة أرادت بها منذ بدايتها أن تجعل من الجودة والمعايير الأكاديمية أساساً للعمل وعنواناً للكلية ، وأن تقدم نموذجاً للتعليم النوعي الذي يمكن أن يرفد السودان بكفاءات قادرة على الحضور في جميع المحافل المهنية والعلمية المختلفة .
لكن النهضة لم تنظر إلى التعليم باعتباره وظيفة تنتهي عند أبواب قاعات الدراسة ، فقد ظلت المسؤولية المجتمعية واحدة من أكبر الجوانب التي حضرت في تجربتها ، من خلال القوافل الطبية والمبادرات التي لم تقتصر على تقديم الخدمات العلاجية فقط ، والتي امتدت إلى التوعية والثقافة والإعلام والتواصل مع المجتمع .
واليوم تستعد النهضة لإستقبال طلابها وأعضاء هيئة تدريسها من جديد ، وتستعيد شيئاً من صورتها الأولى ، وتعود إلى مكانتها ، لاستئناف رسالتهم .
وفي هذه العودة ، لا يغيب الطلاب الذين ظلوا خلال سنوات الحرب يحملون هم وطنهم ، وكان لهم حضور قوي في لحظة استعادة الخرطوم ، لقد عادوا إلى كليتهم ، وكانوا من أوائل من فتحوا أبوابها من جديد ، وتبقى لهم في ذاكرة النهضة ، كل كلمات الشكر والتقدير على ما بذلوه ، وعلى ما عبروا عنه من ارتباط بوطنهم ومؤسستهم .
وفي الطريق إلى استكمال العودة ، تضع النهضة أيضاً تصوراً جديداً للإعلام التعليمي ، من خلال الإعلان عن قناة النهضة التلفزيونية والإذاعية ، التي يُؤمل أن ترى النور قريباً بإذن الله تعالى ، لتكون منصة تعليمية ومجتمعية حقيقية ، تفتح أبوابها للإعلاميين وأصحاب الخبرة ، لتتناول قضايا التعليم والطلاب والمجتمع .
فطلاب اليوم يحتاجون إلى أكثر من استئناف الدراسة ، لأن الحرب تركت آثار عميقة في نفوس الجميع ، وكذلك كان للنزوح والتشرد إسقاطات سالبة أثرت في العلاقات والنسيج الاجتماعي ، وخلقت فجوات تحتاج إلى وقت وجهد حتى تلتئم ، ولذلك فإن التعليم في مرحلة ما بعد الحرب لا ينبغي أن يكون استعادة لما كان قائماً عليه في السابق ، فلا بد من توفير فرص لإعادة البناء ، ولتأهيل الإنسان ، وإستعادة الثقة ، وترميم ما أفسدته سنوات الحرب .
وهنا تحديداً يكتسب استئناف الجامعات والكليات لنشاطها معناه الحقيقي ، فعاصمة البلاد لا تستعيد عافيتها بتأهيل مبانيها ، وإعادة الخدمات وحدها ، إذ ياتي هذا التعافي بعودة الإنسان والمؤسسات والحياة إلى شرايينها ، ومن هذا المنظور يأتي استئناف النهضة لمسيرتها بوصفه جزء من هذا الحراك الكبير ، الذي يعتبر خطوة في طريق استعادة العاصمة لدورها ، وبذلك تفتح هذه المؤسسة الوطنية ذراعيها بكل حب لطلابها معلنة عن فصل جديد من مسيرتها ، بصورة أكثر ارتباطاً بمراحل البناء والتعافي وصناعة المستقبل .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
