☘️🌹☘️
مضت الليالي سريعاً ، ودارت معها عجلة الأيام بصورة أسرع منها ، وكأنها حلم عابر يمر بالخاطر ، وهكذا تمضي الأعوام تاركة في القلب وجوهاً لا تغيب أبداً ، وأسماء لا تمحوها المسافات ولا تغيرها المناصب ، ويتصدر هؤلاء في وجدان السودانيين ، بحروف من محبة ووفاء ، الأخ العزيز ، والصديق الوفي ، سعادة علي بن حسن جعفر سفير المملكة العربية السعودية لدى السودان وجنوب السودان ، ذلك الرجل الذي نعده قطعة أصيلة من هذا الوطن ، فظل على الدوام يعرف نفسه بنفسه قائلاً : (أنا سعوداني) .
ولعل أجمل ما قيل في الرجال أن يُعرفوا بمواقفهم وليس بألقابهم ، وبما يتركونه في القلوب ، وليس بما يُعلق على صدورهم من أوسمة ونياشين ، فهذا الرجل ، وعلى امتداد سنوات خدمته التي قاربت اثني عشر عاماً ، لم يكن دبلوماسياً عادياً يؤدي واجباً وظيفياً بالصورة الروتينة ، لأنه كان في الحقيقة مدرسة متكاملة في المهنية ، والأخلاق ، والوفاء ، والحكمة ، والإنسانية التي لا تعرف الحدود أو الأعراق .
لقد مارس الدبلوماسية بشقيها الرسمي والشعبي في أبهى صورها ، فكان حاضراً في الملفات الكبرى بحكمة السياسي المحنك ، وكما كان قريباً من الناس ببساطة الأخ الصادق الذي لا تكلفه أو تغيره المناصب ، فهو رجل جميل يحمل العلاقة بين المملكة العربية السعودية والسودان كما تحمل الأم توأمها الرضيعين ، ويخشى عليهما من أي نسمة خلاف ، ويحرص على أن يبقيا متعانقين في أمن ومحبة وإستقرار .
ومن يعرف سعادة السفير عن قرب ، يدرك تماماً أن الرجل لم يدخر جهداً في يوم ما في أي شيء من شأنه إستقرار السودان وأمنه ووحدته ، لأنه يؤمن بالسودان إيمان المحب ، ويتحدث عن السودانيين بفخر لا يخفيه ، وكأن جذوره ممتدة في هذه الأرض الطيبة ، ولم يكن يرى السودان بلداً يؤدي فيه مهمة دبلوماسية ، لأنه يري السودان وطناً ثانياً يسكنه ويسكن قلبه .
رافقته في السفر مرات عديدة ، في رحلات قصيرة وطويلة ، فلم أرى فيه إلا عوالي القيم وسمو الأخلاق ، ونقاء السريرة ، فهو أنيق في روحه قبل مظهره ، وكبير في تواضعه ، وقريباً من الجميع بلا تصنع ، فهو رجل يعرف كيف يحترم الناس ، فيفرض إحترامه عليهم دون أن يطلبه من أحد .
وكان فوق كل ذلك ، رجلاً عامراً بالإيمان ، قواماً صواماً ، يواظب على صيام الإثنين والخميس ، ويترك كل ما بيده إذا حان وقت الصلاة ليلحق بصلاة الجماعة ، ونحن نرى فيه صورة المسلم الصادق الذي لا يتاجر بدينه ، وهو يترجم تدينه على الواقع في سلوكه اليومي ، فهو صاحب خلق رفيع ، ومعاملة حسنة لكل الناس .
ولأن الرجال تُعرف معادنهم في الشدائد ، فقد رأيت معدن هذا الرجل الأصيل بنفسي ، في موقف لن أنساه أبداً ما حييت ، فعندما تعرضت لحادث عارض في الخرطوم ، كان هو أول الواصلين إلى منزلي بعد الحادثة ، ليطمئن علي قبل الجميع ، لم ينتظر دعوة من أحد ، فجاء بدافع الأخوة الصادقة والوفاء النادر ، وبعده جاء الآخرون ، أما هو فقد سبقهم بقلبه قبل حضوره ، وهنا فقط أدركت أن بعض الرجال لا تصنعهم المناصب ، بقدر ما هُم يصنعون المواقف .
لقد إستطاع سعادة السفير أن يبني جسوراً من الثقة والمحبة بين الشعبين الشقيقين ، وأن يخدم العلاقات السودانية السعودية بتفاني وإخلاص شديدين ، ونشاط نادر في هذا الزمان الصعب ، فلم يكن يهدأ له بال ، ولا يعرف الكلل ، وظل طوال سنوات عمله حاضراً في كل ما يقوي أواصر الأخوة بين البلدين ، ولهذا من الواجب أن يُذكر إسمه مقروناً بكل خير ، لأن أي حديث سالب عنه لا يصدر إلا من جاهل بحقيقة هذا الرجل الكبير .
واليوم نحن نقترب من لحظة رحيله إلى بلده الأم ، فنشعر بمرارة الفراق وقسوة الرحيل ، لأننا تعودنا على حضوره حتى خيل إلينا أنه سيبقى بيننا دائماً ، وأن الخرطوم ستظل تحتضن خطاه ، وأن المجالس ستظل تكتمل بحضوره الأنيق .
لكن عزاءنا الوحيد هو أن المملكة العربية السعودية ، (بلاد الحرمين الشريفين) ، تستعيد واحداً من خيرة رجالها ليسد ثغرة جديدة في موقع آخر ، ونحن على يقين بأن السودان سيظل حاضراً في قلبه كما كان دائماً ، فهذا الرجل يحمل الخير للناس جميعاً أينما ذهب ، ويحب السودان وأهله حباً حقيقياً لا تصنعه المصالح ولا تبدله الأيام .
أيها الأخ العزيز ، ويا سعادة السفير النبيل ، عش كبيراً كما عهدناك دائماً ، فأنت رجل من معدن أصيل لا يصدأ ، ورجل يصعب أن نجد لك نداً في هذا الزمان ، فبلغ عادل والأهل الكرام خالص تحايانا ومحبتنا لهم في الله ولله بدون اي غرض أو مرض ، ولك مني خالص الود والتقدير والعرفان يا أبا عادل .
ولعلي لا أجد أصدق من كلمات الشاعر محمود درويش لتكون خير وداع لرجل بحجم الوطن :
سنكون يوماً ما نريد
لا الرحلة ابتدأت ، ولا الدرب إنتهى
لكننا نمضي ويأخذنا الغياب
ويظل في عينيك شيء من وطن
ويظل في قلبي صدى ذاك العتاب
يا صاحبي ، ما كان أصعب أن نرى
بعض الرفاق تفرقوا تحت السحاب
لكنهم رغم الرحيل أحبة
تبقى ملامحهم على مر الغياب
فإلى اللقاء أيها السعوداني الجميل ، والرجل النبيل ، فإن غادرتنا ، فمكانتك في قلوبنا أبداً لا تغادر يا أبا عادل .
elbagirabdelgauom@gmail.com
