☘️🌹☘️
لولا الحرب ، لما أتاح لنا القدر أن نتعرف عن قرب على رجال يشبهون الجبال الراسيات ، أولئك الذين كنا نعرف أسماءهم فقط ، دون أن ندرك حقيقة معدنهم الإنساني في المقام الأول ، ومعدنهم الوطني الأصيل في المقام الثاني ، ولم تعد رؤيتنا لهم اليوم مرتبطة بمواقعهم الرسمية بوصفهم صانعي للقرار ، لأنهم يعتبرون حالات وطنية إستثنائية ، جمعت بين الوعي الأكاديمي ، والخبرة المهنية ، والإعتبارات الإنسانية الرفيعة ، فظهروا في أوقات الشدة رجالاً يليقون بالوطن وتليق بهم المواقف .
وعلى الرغم من معرفتي السابقة من قبل الحرب ، باللواء ركن معاش دكتور عبد الرحمن محمد فقيري ، الوزير المكلف للمجلس الأعلى للشباب والرياضة بالولاية الشمالية ، إلا أن هذه المعرفة تجددت بصورة أعمق خلال هذه المرحلة ، فمع كل يوم يمر أكتشف فيه جانباً جديداً من شخصيته ، ومن تجربته ، وكأنني لم أكن أعرفه من قبل ، واليوم أود أن أتحدث عنه كرجل إستطاع أن يعيد تعريف دور وزارة الشباب والرياضة ، وينقلها من مربعها التقليدي الضيق كـ(وزارة للعب) إلى فضاء العمل السيادي والتنموي الحقيقي ، حتى أصبحت الوزارة حاضرة في قضايا البناء والإنتاج والاستقرار المجتمعي وصناعة المستقبل ، ومن هنا أجد نفسي طارحاً اقتراحاً جديراً بالتأمل ، وهو أن تُسمى الوزارة بـ(وزارة الشباب) بعيداً عن اقترانها التقليدي بالرياضة ، لما بات يمثله ملف الشباب من أهمية استراتيجية تتجاوز حدود الأنشطة الرياضية وحدها إلى آفاق التنمية الوطنية الشاملة وخصوصاً أن الرياضة تمثل جانباً واحداً من إحدى الفعاليات الضمنية التي تندرج في أنشطة الشباب في الصورة الواسعة لهذه الشريحة كقادة مجتمع .
جاء الدكتور عبد الرحمن فقيري إلى الوزارة من عمق المقاومة الشعبية ومن قلب الميدان ، حيث تتشكل الرؤيه الحقيقية لمعنى الوطن ، ومعنى الشباب ، ومعنى أن تكون الدولة مسؤولة عن صناعة الأمل في الشباب في زمن الحرب والسلم ، ولذلك كان وجوده داخل المقاومة الشعبية تأسيساً عملياً لفكرة أن الشباب هم الحصن الحقيقي للوطن ، وأن الذين يحملون هم السودان في صدورهم يستحقون أن يُصنع لهم المستقبل ، وليس أن يُتركوا لمصير التهميش والانتظار .
فعندما تولى الرجل مسؤولية وزارة الشباب ، جاء متشبعاً بقناعات كثيرة عنهم ، وخصوصاً أنهم يمثلون أكثر من 60% من المجتمع السوداني ، ولذلك لا ينبغي النظر إليهم باعتبارهم كفئة عمرية معينة ، ولا بد من تجديد المفهوم عنهم وإعادة تعريفهم بوصفهم كقوة قادرة على إعادة بناء السودان كله إذا أُحسن استثمار طاقاتهم ، ولذلك نجد أن عبد الرحمن إقترب منهم كثيراً ، باعتباره يعرف وجعهم وأحلامهم وتفاصيل معاناتهم ، فتقرب منهم واستمع إليهم ، وجالسهم ، وفتح لهم أبواب الحوار ، وخصوصاً إن الرجل مؤمن بأن الأفكار العظيمة لا تولد دائماً داخل القاعات الرسمية ، وإنما كثيراً ما تخرج من ميادين الشباب أنفسهم .
ومن هنا جاءت فكرته بضرورة قيام مؤتمر جامع يضمهم ، وبرلمان حقيقي يجمعهم ، ليكونوا شركاء في صناعة القرار ، وليس مجرد مستقبلين له ، وهو يعلم تمام العلم أن بناء الدولة الحديثة يبدأ من إشراك هذه الشريحة الواسعة في التخطيط والرؤية وصناعة المستقبل ، ولذلك ظل يعمل ليل ، ونهار على تحويل الشباب من حالة إنتظار إلى حالة فعل عام ، وتأثير في كل المحاور .
وأعظم ما يميز تجربة الدكتور فقيري أنه لم يكتفي بالشعارات والخطابات العامة ، فإتجه مباشرة إلى جوهر الأزمة التي تكمن في الإقتصاد والإنتاج ، ولكي يستقر الشباب فهم يحتاجون أيضاً إلى أدوات حياة كريمة تحفظ لهم الاستقرار والكرامة ، ولهذا قاد مشروعاً طموحاً لتمليك الشباب وسائل إنتاج حقيقية ، عبر شراكات تمويلية مع بنك أم درمان الوطني وشركة الشمالية للتمويل الأصغر ، في خطوة تؤسس لإقتصاد شبابي منتج ، لا يعتمد على الهبات ولا على الوظائف المحدودة .
ولم تكن فكرة المشروع تمويل فقط ، لأنها رؤية متكاملة تبدأ بالتدريب والتأهيل وبناء القدرات ، ثم بعد ذلك الانتقال إلى التمويل المدروس الذي يضمن استدامة المشروعات ويحمي الشباب من التعثر المالي ، وهنا تتجلى عقلية الأكاديمي الحصيف والمهني المحنك داخل شخصية هذا الرجل ، الذي تعامل مع قضايا الشباب بعقلية التخطيط والتنمية وليس بعقلية الاستهلاك السياسي المؤقت .
وكذلك حملت مبادراته بعداً إجتماعياً وإنسانياً عميقاً ، فأعلن عن برامج الزواج الجماعي للمستنفرين والشباب ، تقديراً لتضحياتهم في حرب الكرامة ، وفي نفس الوقت ظل يبحث عن إستقرارهم النفسي والاجتماعي ، وهي خطوة تؤكد أن الرجل لا ينظر إلى الشباب كأرقام أو أدوات تعبئة ، وإنما كأبناء لهذا الوطن ، وهم يستحقون حياة متوازنة تحفظ كرامتهم وتمنحهم الأمل .
لقد إستطاع الدكتور عبد الرحمن فقيري أن يغير الصورة الذهنية المرتبطة بوزارة الشباب والرياضة ، تلك الصورة التي تم حصرها طويلاً في دائرة اللعب وكرة القدم والأنشطة التقليدية ، فجعل منها وزارة سيادية فاعلة ، ترتبط بالأمن المجتمعي ، وبالإنتاج ، وببناء الإنسان ، وبإعداد القيادات ، وبصناعة الاستقرار الوطني. حتى أصبحت تجربته محل حديث على المستوى القومي ، بوصفها نموذجاً جديداً لدور هذه الوزارة في السودان .
ولا يمكن الحديث عن هذا النجاح دون الإشارة إلى رؤية الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد والي الولاية الشمالية ، الذي أحسن الإختيار عندما منح الثقة للأخ فقيري ، فكان الاختيار في محله ، وقد أثبتت التجربة أن بناء المؤسسات يبدأ باختيار الرجال القادرين على تحويل الأفكار إلى واقع ، والرؤى إلى مشروعات ملموسة تخدم الناس .
الدكتور عبد الرحمن هو عبارة عن مشروع وطني متكامل ، جمع بين صرامة العسكري ، والوعي الأكاديمي ، والخبرة المهنية ، وإنسانية المدني ، ولهذا وجد نفسه قريباً من الشباب ، لأن القلوب الصادقة تعرف طريقها دائماً إلى الناس ، وخصوصاً في هذا التوقيت الذي يحتاج فيه السودان إلى رجال يبنون لا يهدمون ، ويجمعون لا يفرقون ، ويزرعون الأمل وينتزعون اليأس .
ويظل هذا الرجل واحداً من النماذج التي تؤكد أن خدمة الوطن ليست شعاراً يردده الناس ، وإنما هي الفعل الصادق ، والعمل المخلص .
الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
