☘️🌹☘️
يأتي أسبوع المرور العربي هذا العام حاملاً في طياته رسالة أكبر من حجم المناسبة نفسها ، رسالة إنسانية عميقة تُعيد ترتيب علاقتنا بالطريق العام قبل المركبة التي نقودها ، فالطريق اليوم لم يعد هو ذلك المسار الذي نستخدمه للسير فقط ، وإنما هو المساحة المشتركة للحياة التي تتقاطع عندها مسؤوليات السائق والدولة ، والمجتمع .
في هذا الأسبوع تتجدد الدعوة إلى التمهل ، بوصفه سلوكاً يعبر عن قيمة حضارية تظهر مدي وعي مستخدمي الطريق بحق الآخرين في السلامة المرورية ، فالحوادث في هذه الأيام مع كثرتها تبدو كأرقام مزعجة في دفاتر الإحصاء ، ولكنها في الحقيقة تمثل قصص مؤلمة تبدأ بلحظة تسرع ، أو غفلة .
في هذه المرة ، وكسراً للعادة ، أكتب عن هذه المناسبة من مدينة دنقلا حاضرة الولاية الشمالية ، ناقلاً منها حجم الاحتفال وروح المناسبة ، ففي هذا اليوم ، جاء حديث الأمين العام لحكومة الولاية الشمالية وممثل السيد الوالي ، الأستاذ محجوب سيد أحمد ملامساً جوهر القضية من زاوية تستحق التقدير ، إذ لم يقف عند حدود المخالفة التقليدية التي غالباً ما تُنسب للسائق وحده ، ولكنه وسع دائرة المسؤولية لتشمل الطريق نفسه .
وقد قال في عبارة لافتة نالت إستحسان جميع الحاضرين : (يجب أن نخالف الطريق الذي يتسبب في الحوادث) ، ما أعظمها من جملة قيلت في هذه المناسبة ، وقد كسر بها سلاسل الروتين الذي تتكرر به مثل هذه الفعاليات ، فقد أشار إلى أن بعض الطرق ، بما تعانيه من ضعف في التأهيل أو غياب أو تأخر في الصيانة ، تصبح شريكاً خفياً في صناعة الحوادث ، وهذه الرؤية تضع يدها على جانب نتجاوزه دائماً ، غير أن الأستاذ محجوب فتح الباب لمفهوم أعمق تتحقق من خلاله العدالة المرورية ، وهو مفهوم يلفت الإنتباه إلى كل من قصر في أداء دوره ، خصوصاً الجهات المسؤولة عن الطرق .
ونحن بدورنا نُثمن ما جاء في الحديث الثر للسيد محجوب الذي ظهر من خلاله وعيه الإداري الذي تناول السلامة المرورية بوصفها منظومة متكاملة ، لا يستقيم إختزالها في جانب السائق وحده عندما يقع الحادث ، فهذا الطرح يُلقي اللوم على عاتق الدولة ، ومسؤوليتها في مراجعة الطرق ، وضرورة وجود آلية تُساءل الجهات المعنية عن جاهزية ومدى كفاءة الطرق ، لأن الطريق الآمن حق أصيل لكل مواطن ، ولهذا نقول : شكراً جزيلاً لأمين عام حكومة الولاية الشمالية ، الذي طرق باباً كان مؤصداً ، ويجب الآن فتحه دون تأخير .
وهنا يجدر التوقف كذلك عند كلمة سعادة العميد محمد عثمان البخيت ، مدير شرطة مرور الولاية الشمالية ، الذي ظل يؤكد دائماً عظم الدور الذي تضطلع به إدارة المرور في نشر التوعية ، وبث ثقافة القيادة الآمنة ، وتنظيم الحركة المرورية ، بما يجعلها خط الدفاع الأول في حماية الأرواح ، وكما أن الرسالة الإنسانية التي يحملها شعار هذا الأسبوع (تمهل نحن في انتظارك) ، تؤكد أن خلف كل مركبة حياة تنتظر ، وهنا يتجلى الفهم العميق لطبيعة المسؤولية التي تقع على عاتق رجال المرور ، بوصفهم حماة لحياة مستخدمي الطريق .
إن الجمع بين وعي المؤسسات بأدوارها في هذا الشأن ، وأي طرح مسؤول تم تقديمه في هذا الإحتفال يظل محل تقدير وإحترام ، ويفتح للجميع آفاقاً جديدة للتعامل مع قضايا المرور ، تقوم على الشراكة والمساءلة ، والوعي ، فعندما يلتقي الجهد الرسمي مع الوعي المجتمعي يصبح الطريق أكثر أماناً ، والرحلة مهما طالت تكون أكثر طمأنينة وسلام .
يظل أسبوع المرور العربي مناسبة قيمة لمراجعة السلوك المروري ، ومراجعة الطريق ، ومراجعة الأدوار ، حتى نصل جميعنا إلى طريق يستحق أن نستخدمه بكل ثقة وطمأنينة .
الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
