☘️🌹☘️
من أعظم ما يحفظ تماسك المجتمعات أن تظل روح الجماعة حاضرة في سلوكها العام ، بوصفها قيمة أخلاقية تُعلي من شأن المسؤولية المشتركة وتوازن بين الحقوق والواجبات ، وقد ظل إنسان مروي ، عبر تاريخ السودان الحديث ، مثالاً حياً لهذه الروح ، فهو في طليعة من حملوا هم الوطن ، كمعلمين وقضاة وموظفين وعمالاً ، فنشروا العلم وصبروا على شظف العيش في أقاصي مدن وقرى البلاد ، مؤمنين أن السودان وطن يسع الجميع .
وفي ظل هذه الظروف الراهنة ، لا يمكن تجاهل ما قدمته محلية مروي من تضحيات جسام منذ إندلاع الحرب ، فهي من أوائل المناطق التي دفعت ثمن المواجهة المباشرة ، والتي إنطلقت شرارتها من النقطة (صفر) ، وقدمت الشهداء ، وسجلت مواقف في البسالة التي لا ينكرها أحد ، وهذا ما جعلها هدفاً مباشراً لإعتداءات المليشيا ، بما في ذلك إستهداف البنية التحتية الحيوية ، وعلى رأسها كان قطاع الكهرباء ، الذي يعتبر شريان الحياة للزراعة والاستقرار المعيشي .
إن أزمة الكهرباء الأخيرة ، بكل ما صاحبها من معاناة ، هي عبارة عن عطل فني ، وكلنا نعلم أن إصلاح المحولات المتضررة أو إستبدالها عملية معقدة تحتاج إلى وقت وجهد ، وقد بذلت الجهات المختصة ما في وسعها لإعادة الخدمة في أقصر وقت ممكن ، رغم شح الإمكانات في مقابلة الصعوبات المعلومة بالضرورة ، ويدرك أهل مروي كل ذلك ، بوعيهم المعهود فيهم ، فأن هذه الأزمة ليست نتاج تقصير محلي بقدر ما هي نتيجة مباشرة لظروف الحرب وتعقيداتها .
جاءت الوقفة الاحتجاجية الأخيرة كتعبير مشروع عن الضيق والمعاناة ، وهو حق لا يمكن مصادرته ، غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بمشروعية الفعل ، بقدر ما يتعلق بتوقيته وأثره العام ، فمثل هذه الوقفات في ظل هذه الظروف ، وإن كانت قصيرة ومحدودة ، قد تفتح الباب لنمط تعبيري قد يتكرر في ظروف مشابهة ، وربما يتطور إلى سلوك عام يقود إلى تعدد الكيانات وتباين الخطابات في الولاية ، بما يهدد وحدة النسيج الاجتماعي ويغذي حالة من التوتر غير المحسوب وخصوصاً أن الولاية ظلت تعاني من بعض التقاطعات الحادة وهي معلومة للجميع .
من هنا تأتي الحاجة إلى قدر من التريث والحكمة ، فالتعبير عن المطالب يمكن أن يأخذ مسارات أكثر فاعلية وأقل كلفة ، من خلال قنوات التواصل المباشر مع الجهات المعنية ، خاصة وأن قيادة هذا الكيان الحديث تضم شخصيات لها وزنها وخبرتها في العمل العام بشقيه النظامي أو المدني ، وهي قادرة على إيصال الصوت بطرق مؤثرة دون الحاجة إلى تصعيد ميداني .
تعاملت السلطات المحلية مع هذه الوقفة بروح المسؤولية والحكمة ، وجنبت الناس الدخول في إجراءات تصعيدية ، وقد أسهم صوت الوعي من الطرفين في تقليل الاحتقان ، ومنع تفسير الأمر على أنه شكل من أشكال التضييق على حرية التعبير ، وكان تجاوز هذه اللحظة هو إنتصار للوعي الذي قاده تغليب منطق الاحتواء ، الذي أحسن إدارة هذه المواجهة ، فالمجتمع الذي قدم كل هذه التضحيات يستحق أن يُستمع إليه لا أن يُواجه .
إن ما جرى يجب أن يكون وقفة للتأمل وإعادة قراءه الحسابات ، فمروي بتاريخها ومكانتها ، قادرة على أن تقدم نموذجاً في التوازن بين الحق في التعبير والحفاظ على وحدة الصف ، والمسؤولية هنا مشتركة بين السلطة والمجتمع والقيادات ، حتى لا يتحول الاستثناء إلى قاعدة ، والوسيلة إلى غاية .
فإني أتقدم اليوم بدعوة صادقة إلى أن يقف الأمر عند هذا الحد ، وأن يُطوى هذا الملف برمته بروح من التسامح ، دون المضي في أي إجراءات تصعيدية من قبل الجهات الرسميه ، وأن نقول : (عفا الله عما سلف) . مع التأكيد على أن وحدة الولاية وإستقرارها يجب أن يظلا فوق كل إعتبار ، وأن يُحفظ صوت الجماعة ضمن إطار يزيد من وحدة الولاية وتماسكها ، ولا يهدد سلمها المجتمعي ، خاصة في هذه الظروف الاستثنائية والمعقّدة .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com
