☘️🌹☘️
قضية من دفتر أحوال الورشة التدريبية التحاورية التي أقامتها المفوضية القومية لحقوق الإنسان بالولاية الشمالية ، والتي لم تقف النقاشات فيها عند حدود عرض المشكلات فقط ، إذ كشفت عن نمط ذهني يتكرر بصورة دائمة في مؤسسات الدولة ، ويتمثل ذلك في أسلوبها البيروقراطي الذي يميل إلى تبرير القصور المؤسسي ، بدلاً من الاعتراف به ومحاولة معالجته .
يتلخص الموضوع في قضية الأطفال غير المصطحبين (فاقدي الأسرة) الذين وصلوا إلى معسكر العفاض بمحلية الدبة … إحدى منظمات المجتمع المدني عرضت ما يواجهها من إشكالات في التعامل مع هذه الحالات ، إذ تبدأ الإجراءات بفتح بلاغ ، غير أن هذا البلاغ لا تكمل إجراءاته إلا بعد وصوله إلى مكتب النائب العام في بورتسودان ، وهو ما يُعقد سير الإجراءات ويؤخرها ، وهنا يبرز تساؤل مهم لماذا لا تتوفر خدمة العدالة في مكانها الطبيعي؟ ، (منطقة الإختصاص) ، ولماذا تُجبر المنظمة على ترحيل أوراق مثل هذه القضايا لمسافات طويلة لإكمال إجراءات يُفترض أن تُنجز داخل نطاق الاختصاص؟ .
غير أن الإجابة على هذه التساؤلات جاءت من المختص محصورة في وصف الواقع كما هو ، دون أي إستعداد للإعتراف بوجود خلل يستحق المعالجة ، وقد تم تبرير ذلك بأن التقارير هي فقط التي تُرفع إلى مكتب النائب العام ، بينما يتم فتح البلاغ في نيابة الطفل والأسرة في دنقلا ، وهو تبرير غير مقنع ، وعليه يظل التساؤل قائماً ، لماذا لا يتم تفويض أحد وكلاء النيابة الموجودين في الدبة بهذا الاختصاص لتبسيط الإجراءات وتقريب العدالة من المواطنين ؟ ، وما يحدث هو إعادة إنتاج المركزية ، وتكريس إعتماد الأطراف على المركز .
يتجلى جوهر المشكلة في ضعف الثقة المؤسسية بين المركز والأطراف ، ويظهر ذلك جلياً من خلال التردد المستمر في تفويض الصلاحيات ، الأمر الذي ينعكس سلباً على حياة المواطنين عبر إجراءات معقدة وخدمات يصعب الوصول إليها إلا بشق الأنفس .
لا يحتاج الإصلاح هنا إلى تعقيد في الحلول ، بقدر ما يتطلب تحول في الذهنية المؤسسية عبر تغيير طريقة التفكير فقط ، فالنائب العام هو موظف دولة ، ومن يمثل نيابة الطفل في دنقلا هو أيضاً موظف دولة ، وكذلك وكيل نيابة الدبة ، وليس هنالك أفضلية بينهم تبرر إحتكار القرار في بورتسودان أو دنقلا ، وعليه لا بد من الاعتراف بالتقصير والاستعداد لتفويض الصلاحيات بعدالة ، وهو ما يُعد من صميم حُسن الإدارة ، فبهذا النهج تتحقق الغاية الحقيقية من وجود مؤسسات الدولة ، وهي خدمة المواطن وصون حقوقه لا إرهاقه ، ومن ثم فإن الإصلاح يُعتبر حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان ، لإرتباطه بكرامته وضمان وصوله إلى العدالة ، وتيسير حصوله على الخدمات بدون عناء .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
