34 C
Khartoum
السبت, أبريل 25, 2026

همس الحروف .. الإنتظار المر ، في زمن الوعود الجوفاء ، والإحساس المتبلد .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

عبر الشاعر التصويري المرهف الأستاذ علاء الدين عبد الرحيم أب سير بلسان فتاة بريئة مجروحة في قصة حب دامت 6 سنوات ، ولم يكن قصده أن يسرد لنا حكاية حب عذري تقليدية ، ولكنه أراد أن ينقل إلينا صورة صادقة لتجربة إنسانية أراها تتكرر كثيراً في واقعنا المعاصر ، حيث يطول الانتظار بالتخدير والوعود الوردية حتى تثقل الروح ، ويبقى الإنتظار معلقاً على لوح من الوهم ، ولا تجد هذه الوعود الجوفاء طريقها إلى التحقق ، ثم يأتي الرحيل مفاجئاً بدون حتى كلمة وداع ، قاطعاً كل أمل ، ومخلفاً وراءه فراغاً لا يملؤه وفاء .

يقول :

وداعاً ياسراب خداع محال ما بيروي عطشانين

وداعاً ياحلم عابر يسعد ويفرح النايمين

وداعاً ياكلام معسول حدو ومكمنو الشفتين

وداعاً ياسحابة صيف شايله مطر ظليل ورهين

تبشر بي خريف جايينا ويا ما الناس رجوهو سنين

وكل زولاً يفكر فيها ومامعروفة تنزل وين

وألف سلام عليك ياقلبي المسالم وديمه طبعو حنين

هذه الكلمات التي تلامس الوجدان لا تودع شخصاً بقدر ما تودع وهماً جميلاً تشكل في الدواخل حتى خُيل إليه أنه حقيقة ، فالسراب الذي عناه الشاعر أب سير ، وهو متقمصاً حالة هذه الفتاة التي أنهكها الانتظار ، وأعياها الوجد ، الذي لم يكن سوى وعود بدت قريبة المنال ، غير أنها لم تُرو عطش القلب ، وظلت خادعة للعواطف تلوح ولا تُمسك .

والحلم العابر هو ذلك الفرح المؤقت الذي يزور النائمين ، يبهجهم لحظة ثم يتلاشى مع أول مواجهة للواقع ، وكأنه لم يكن .

وأما الكلام المعسول فهو حديث لم يتجاوز الشفاه ، ولم يتحول إلى فعل ، ولم يرتقي إلى أبسط أنواع الإتزام ، كلمات تقال باللسان فقط لتُطرب السمع ، ولا بمكن أن تُبنى عليها حياة .

وتبلغ الصورة أوجها في سحابة الصيف تلك السحابة المثقلة بالمياة ، والتي تحمل في ظاهرها بشائر المطر ، غير أنها تظلّ معلقة ، غامضة المصير ، لا يُدرى متى تمطر ، أو أين تهطل … (يعني بالدارجي الفصيح) مثل المكيف الخربان الذي يصدر إزعاجاً شديداً بدون برودة ، صور متداخلة ، باهتة الألوان ، تُحاكي أحلاماً مؤجلة ، ووعوداً تعيش على الرجاء أكثر مما تقوم على الواقع .

وفي هذا البوح ، لا يجد القلب ملاذاً إلا مصارحة الحقيقة ، أن بعض الإنتظارات تُرهق أكثر مما تُسعد ، وأن بعض العلاقات مهما إكتست بالجمال ، لا يُكتب لها البقاء ، ومن هنا ينبثق الوداع ، ليس بوصفه انكساراً أمام عصف الوعود الجوفاء ، ولكنه يظل هو الإختيار الواعي للنجاة من وهم طال انتظاره ، وإستنزف من الروح والقلب ما يكفي .

وهذا الأمر يصف حال بعضنا ، يكدون ويشقون ، ولا يجدون في المقابل أدنى تقييم ، ولا حتى عبارة شكر ، أو حتى نظرة وفاء ترد إليهم إعتبارهم ،
فإذا أزف الرحيل ، فسامحوهم إن قصروا فيكم ، وأعذروهم إن أخطأوا في حقكم
فهم معكم وأنتم لهم ،
وللجميع لهم من الحب ما تسعه القلوب .

إنه وداع حبيب يحمل في دواخله طيبة نادرة ، وإعتذار ومحبة باقية ، رغم الألم والمعاناة ، وكأن لسان حالهم غلب ليقول : قد يرحلون ، ولكنهم لا يسيئون لأحد ، وقد ينكسرون ، ولكنهم لا يفقدون إنسانيتنهم .

ليست كل الحكايات خُلقت لتكتمل ، وبعضها وُجد لأجل أن يتعلم الناس منها ، فالحب وحده لا يكفي إن لم يُصاحبه صدق ، وأن الإنتظار لا يُثمر إن لم يكن له موعد محدد .

فالانتظار مر ، إذا كانت الوعود رمادية ، في مساحة زمن معلق بين رجاء لا ولن يكتمل ، وخيبة أمل لا ولن تُحسم إلا بالفراق ، حيث يذوب الأمل ببطء في ضباب الإحتمال .

ودمتم بألف عافية
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا