☘️🌹☘️
في الأيام الأخيرة من حكم البشير ، وفي ذروة الإحتجاجات التي سبقت إعتصام القيادة ، كانت البلاد تعيش حالة غليان غير مسبوقة ، وكانت الأجندات تُصاغ بعناية ، مستخدمة كل الوسائل الممكنة للتأثير على الرأي العام ، في ذلك الوقت ، ورغم محدودية أدوات الفبركة ، ولم يكن الذكاء الاصطناعي قد ظهر أنذاك مقارنة باليوم ، فلجأ بعض أصحاب الغرض إلى أساليب إخراجية متقنة كالأعمال السينمائية ، فظهرت مقاطع مصورة لمظاهرات جرى تنفيذها داخل شقة مغلقة ، باستخدام زوايا تصوير وإضاءة ومؤثرات صوتية توحي بأنها حشود مليونية في هذه المظاهرة ، وقد نجحت تلك المقاطع إلى حد ما في ترسيخ صورة ذهنية مضللة لدى بعض الناس ، قبل أن يتصدى لها أهل الخبرة ويفككوا تفاصيلها ويعيدوا الأمور إلى حقيقتها .
اليوم يتكرر الموضوع بذات الفهم ، غير أن الإختلاف بينهما ، أن من قام بالفعل في القصة الأخيرة جهات يفترض فيها الوعي والمسؤولية والحرص على الحق العام والخاص ، ومن واقع شهادتي للحدث مباشرة ، حيث أرادت الصدفة أن أكون موجودا بذات المكان الذي يعتبر هو المسرح الذي جرت فيه هذه الأحداث وكنت ضمن مجموعة كانوا حاضرين في نفس المكان الذي دارت فيه وقائع هذه القصة والتي هي أقرب للخيال وأغرب من الواقع ، فإن ما جرى مسألة لم أرى لها مثيل إلا في تلك الواقعة .
في مساء اليوم الذي يسبق تلك الواقعة ، كنا على أرض هذا المسرح وقد جمعتنا الصدفة ، فقد وصلت عربة نقل تحمل شحنة كبيرة من المانجو إلى هذا الموقع .
بدأ العمال في إنزال الكراتين تحت إشراف صاحب المكان ، الذي كان يوجههم بصوت عالي على الجودة في الفرز ، وبلغ عدد الكراتين نحو أربعمائة كرتونة ، وكانت جميعها من نوع (السمكة) وقد أكد كل من حضر جودة هذه الكمية وسلامتها ، وقد كان الرجل حريصاً على فرز الشحنة بدقة ، وكان ينتقي الثمار السليمة بعناية ويعيد تعبئتها في صناديق بلاستيكية مخصصة لذلك .
عند الوصول إلى نهاية الشحنة ، ظهرت في آخر الشاحنة مئة كرتونة مختلفة في نوعها عن بقية الكمية ، حيث كانت تالفة بشكل واضح ، وقد تعامل معها صاحب المكان بمهنية ، فرفض إستلامها مباشرة ولم يدخالها إلى مكان التعبئة ، وقام بعزلها في موقع منفصل خارج نطاق العمل مخصص أصلاً لمثل هذه الحالات ، ولم يخلطها بالكميات السليمة أبداً ، ولم يسعى لتسويقها ، لأنه إعتبرها نفايات من المصدر ، وكما قام بتوثيق هذا الإجراء عبر مقطع فيديو يوضح فيه رفضه لهذه الكمية وسبب عزلها ، تمهيداً لإخطار المورد في الخرطوم ليقف على حقيقة التلف .
من المهم التأكيد هنا أن هذه المئة كرتونة لم تكن في أي مرحلة من مراحل التعامل جزءاً من بضائع صالحة ، أومعروضة للبيع أو التداول ، ولم تشكل خطراً على المستهلك ، لأنها ببساطة كانت مفصولة ومعدة للتخلص منها منذ لحظة إكتشافها ، وبذلك فإنها لا تندرج تحت مفهوم (الضبط) لمواد فاسدة متداولة في الأسواق ، ولا تمثل جريمة أو مخالفة ، إذ لم يتم طرحها للاستهلاك ولم يكن هناك أي قصد للاستفادة منها تجارياً .
في صباح اليوم التالي ، حضرت جهة تنفيذية لإستكمال ما وصفته بإجراءات ضبط ، إذ تم إدراج تلك الكمية التالفة والتي كانت أصلاً معزولة ومعدة للإبادة ضمن ما سمي بالضبطية التي ذكرت في مقالنا ليوم أمس والذي كان بعنوان (هل رقابة الاغذية وافع مطلوب ،أم تهويل خلفه غرص ؟) ، في تجاهل واضح لكونها مرفوضة منذ البداية .
الأكثر غرابة أنهم طلبوا من صاحب المكان أن يدفع مبلغ مالي كبير ، بلغ مليون وسبعمائة ألف جنيه، مقابل إبادة هذه الكمية من المانجو مع كمية الفراخ التي تم ضبطها يوم أمس .
هذا الطلب يثير تساؤلات جوهرية ، وقد حصل بدون توجيه نيابة ميدانية أو حكم محكمة ، وهو تحت بند الترحيل و الإبادة ، لأن إبادة ال 100 كرتونة مانجو في هذه الحالة يمثل استكمال لما كان مقرراً أصلاً بخصوص موضوع الفراج ، وأضيفت إليه للتخلص ، ومع ذلك ، جرى تصوير الأمر وكأنه إنجاز يستحق دفع هذه الرسوم .
رفض صاحب المكان هذا الطلب بشكل قاطع ، مؤكداً أنه لن يدفع مقابلاً لإبادة شيء لم يقبل به أصلاً ولم يدخله في دائرة نشاطه التجاري ، وأوضح أنه مستعد لأن تتخذ ضده أي إجراءات قانونية بشأن رفضه لدفع هذا المبلغ ، حتى لو كلف الأمر فتح بلاغ معارضة ضده ، والجدير بالذكر أن هذا الرجل مستثمر أجنبي ، وله مواقف مشهودة في دعم الولاية ، خاصة خلال أزمة انقطاع الكهرباء إثر حادثة ضرب محول دنقلا بالمسيرات ، حين فتح مخازنه المبردة لحفظ بضائع وأغراض معظم أهل دنقلا ، التي كان يُخشى تلفها بسبب انقطاع التيار الكهربائى عن المدينة ، في موقف يعكس حساً عالياً بالمسؤولية .
جانب آخر لا يقل أهمية من الذي جرى ، وهو غياب وكيل النيابة المختص عن هذه الإجراءات ، رغم أن وجوده يعتبر أساسياً لإعتماد مثل هذه القرارات ، وهذا الغياب أضعف المشروعية القانونية لما تم ، وفتح الباب أمام تصرفات ترتب عليها هدر غير مبرر لمواد كانت صالحة إلا أنها لها مخالفات إجرائية .
لاحقاً جرى تنفيذ عملية الإبادة وسط حضور لافت وتوثيق مكثف بالكاميرات ، في منظر بدأ وكأنه إنجاز رقابي ضخم ، غير أن الحقيقة التي شهدناها بأنفسنا هي أن هذه الكمية من المانجو كانت متجهة أصلاً لذات المكب منذ لحظة إكتشافها ، وأن إدخالها ضمن (ضبطية) أغذية مخالفة هي لم تكن سوى محاولة لإعادة تقديم واقع عادي بصورة مختلفة تخدم غرضاً إعلامياً فقط لاغير .
ما حدث يعيد إلى الأذهان تلك المشاهد القديمة التي جرى فيها تضخيم أحداث تلك المظاهرة التى جرى تصويرها في شقة لتبدو أكبر من حقيقتها ، والفرق الوحيد بين القصتين هو إختلاف الوسيلة ، بينما بقي الهدف واحد ، وهو صناعة انطباع لا يعكس الواقع .
في ظل هذه الوقائع المفركة ، ولا أدري لمصلحة من يتم ذلك ، ولكن يصبح من الضروري التمسك بالموضوعية والحرص على نقل الحقيقة كما هي ، دون تهويل أو انتقاص ، حفاظاً على ثقة الناس ، وصوناً لقيمة المسؤولية التي يفترض أن تكون هي أساس كل عمل عام .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
