☘️🌹☘️
إلحاقاً لمقالنا الصادر بالأمس ، والذي حمل عنوان (تعثر شحنة دقيق في طريقها إلى دارفور) ، وقد أوضحنا فيه أن الولاية الشمالية لم تكن سوى منطقة عبور ، وسعينا من خلاله إلى تبصير الرأي العام بالحقيقة ، وإزالة اللبس الناتج عن التداول المتسارع للأخبار المأخوذة من غير مصادرها ، إلا أن حصافة القارئ تمنحه أيضاً القدرة على التمييز بين الخبر من مصدره المسؤول ، والتحليل الذي يتمدد وفق أهواء قائله ، وبين الحقيقة وظلالها التي قد تربك السردية وتشوش على فهمها .
لقد ظهرت أزمة الدقيق التالف في الولاية الشمالية بوصفها مثالاً حياً على الكيفية التي يمكن أن تنحرف بها الرواية العامة عن المسار الطبيعي ، بسبب غياب التفاصيل .
وهنا قد تطفو على السطح أحكام مسبقة ناتجة عن الانطباع الأول ، لذلك كان من الواجب توضيح الحقائق بصورة مجردة ، وذلك ليس دفاعاً عن جهة بعينها ، وأنما إنحيازاً للحقيقة وحرصاً على تقديم صورة صادقة للمتلقين .
إذن فإن أزمة الدقيق التالف شكلت رأياً عاماً سالباً ، رغم أن الولاية لم تكن طرفاً فيها ، بإعتبار أن الأمر يخص المنظمة الدولية ، وقد أتت المنظمة بنفسها لإجراء فحوصات فنية دقيقة بصفتها صاحبة الشان ، وهي الجهة المختصة ، وقد قامت بتقييم الوضع وفق معاييرها ، لتخلص بعد التحقق إلى أن الكميات المعنية غير صالحة للاستهلاك الآدمي ، وهو قرار في محله ، خاصة لارتباطه المباشر بصحة المواطنين وسلامتهم ، ومن هنا يبدأ دور حكومة الولاية .
إذن من هذه النقطة تحديداً تبدأ مسؤولية الولاية ، لا سيما وأن إعدام هذا الدقيق يتم داخل نطاقها الجغرافي (دنقلا) ، وتتمثل مهمتها فقط في متابعة عمليات التخلص من الدقيق التالف وفق الضوابط المقررة ، ومنع تسربه إلى الأسواق تحت أي ظرف ، وهي مهمة تتطلب يقظة عالية وتنسيقاً محكماً بين الأجهزة ذات الصلة .
ومن هذا المنطلق ، قامت الولاية بتكوين لجنة متخصصة تضم الجهات الرقابية والجهات المعنية ، بما يضمن الإحاطة بجوانب العملية كافة ، كما تم إدراج الإعلام ضمن هذه اللجنة ، إدراكاً لدوره المحوري في نقل الحقيقة بمهنية ، من أجل تعزيز الشفافية ، وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات .
فالإعلام عندما يلتزم بمهنيته ، يصبح خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات ، والسد المنيع أمام ترويج المعلومات المغلوطة .
أما عملية الإبادة نفسها ، فهي مسؤولية المنظمة الدولية ، وليس للولاية تدخل مباشر فيها ، فقط دورها ينحصر في الرقابة لضمان التخلص الآمن دون الإضرار بالبيئة أو الصحة العامة ، ويقتصر الدور على الإشراف والمتابعة ، والتأكد من تنفيذ العملية وفق ما خُطط له دون تجاوز أو قصور .
فمن الواجب على الجميع تحري الدقة في نقل مثل هذه الأخبار ، والرجوع إلى المصادر قبل نشر المعلومات ، وأن يكون النشر قائماً على المسؤولية ، فالكلمة أمانة ولها أثر مادي ، ومعنوي ، فهي قادرة على البناء أو الهدم ، وكذلك قادرة على طمأنة المجتمع أو إرباكه .
فالآن الحقيقة في هذا الموضوع أكثر وضوحاً مما يُشاع ، وهي جلية لمن أراد أن يراها كاملة ، وما قامت به الولاية الشمالية يندرج ضمن واجبها في حماية مواطنيها عبر الإجراءات الاحترازية ، ولذلك فهي لا تستحق الإدانة بقدر ما تستوجب الإشادة ، وبين هذا وذاك ، يبقى الأمل معقوداً على إعلام واعي ، وجمهور متبصر يميز بين الخبر وتحليله ، وبين الحقيقة وظلالها .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
