☘️🌹☘️
في ظل مآلات الحرب ، ومع غياب الضمير لدى بعض ضعاف النفوس الذين يتكسبون من حاجة الناس ، تتصدر قضية حماية المستهلك كواحدة من أهم القضايا التي لا تحتمل الغياب أو الاكتفاء بالتمثيل الشكلي ، غير أن الواقع هنا يكشف عن فجوة واضحة بين ما هو منصوص عليه على الورق وما يُمارس فعلياً على الأرض ، إذ لا وجود لحماية حقيقية للمستهلك ، رغم وجودها كمسميات رسمية ، فهي لا تتجاوز كونها هياكل شكلية بلا أثر يذكر .
وقد تفاجأ مواطنو الشمالية مؤخراً بخبر نُشر عبر إحدى منصات الشرطة الرسمية ، حمل قدراً كبيراً من التهويل ، مفاده أن مباحث التموين وحماية المستهلك تمكنت من ضبط كميات كبيرة من اللحوم الحمراء الفاسدة ، والدواجن ، والفواكه ، إلا أنه بالبحث والاستقصاء الميداني حول هذا الخبر تم الكشف عن تناقضات جوهرية في هذا الخبر ، حيث تبين أن الثلاجات الأربع المذكورة في الخبر لا تتعامل أصلاً في اللحوم الحمراء ، وهذه الزيادة كانت من أجل تضخيم الأمر ، وهذا النشر غير المسؤول ، قد يفقدنا الثقة في المنصة الناشرة في المستقبل ، خاصة وأنها تُعد مصدراً رسمياً يُفترض فيه الدقة والمهنية .
الأمر المثير للدهشة أن عملية الفحص ، التي تمت بحضور الجهات المعنية ، لم تعتمد على أي أدوات علمية أو مختبرات متخصصة ، إذ إقتصر الأمر على الفحص البصري فقط ، في ظل غياب تام للأجهزة والمعينات الفنية اللازمة لفحص سلامة الأغذية ، ورغم تسجيل بعض المخالفات ، إلا أن معظمها كان عبارة مخالفات مستندية ، ولم يثبت فساد الدواجن المضبوطة التي ذكرت بعبارة (فاسدة). وهنا يُطرح سؤال مهم : هل كان الهدف من نشر هذا الخبر هو التضخيم الإعلامي أو التهويل ، أم أن هناك دوافع خفية أخرى لا نعلمها؟ ، وإذا كان لا بد من نشر الخبر في الوسائط عبر منصة إتحادية رسمية ، فكان يجب تقديمه بمهنية وشفافية ، ليكون أكثر قبولاً ومصداقية .
الصحيح أن إدارة الشؤون الصحية بمحلية دنقلا ، ممثلة في قسم رقابة الأغذية ، تحركت فور تلقي بلاغ عن مخالفة صحية في محل يضم أربع ثلاجات ، ولقد تم تضخيم الخبر والكمية المضبوطة لتبدو وكأنها قضية كبرى ، رغم أن حجم الولاية لا يتناسب مع حجم الضجة التي أُحدثت على منصة الشرطة التي يفترض فيها أن تكون الموثوقية فيها أكثر من غيرها .
ومن المثير أيضاً للريبة إختفاء الجهة المبلغة عن المخالفة ، في وقت يعلم فيه الجميع بوجود صراعات ومنافسات حادة داخل قطاع الدواجن ، خاصة مع دخول صغار المستثمرين وبعض الأسر المنتجة ، مما يفتح الباب أمام إحتمالات إستغلال مثل هذه البلاغات لتحقيق مكاسب شخصية أو من أجل تصفية حسابات ، أو محاولة إخراج البعض من سوق العمل .
نحن في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في آليات الرقابة الصحية ، بدءاً بإنشاء مختبرات متخصصة لفحص الأغذية ، مروراً برفع كفاءة الكوادر العاملة في هذا المجال ، وصولاً إلى تفعيل الدور الحقيقي لجمعيات حماية المستهلك .
ما حدث في موضوع الفراخ لا يرتقي إلى مستوى الفحص المهني ، وإقتصر على الكشف (بالنظر) فقط ، فقد إستهجن الناس سابقاً مثل هذه العبارة عندما أشار أحد القادة العسكريين إلى إمكانية الدفاع (بالنظر) ، إذ لم يكن لدى القائمين على هذا الإجراء سوى القفازات والكمامات التي ارتدوها ، وما جرى كان أقرب إلى التكهن والتخمين ، كما بفعل قارئي الكف أو الفنجان ، لا يمتلكون أي وسيلة علمية ، إلا الإعتماد على الكشف البصري فقط .
صحيح أن هناك مخالفات شكلية تتعلق بالبطاقات التعريفية ، أو التغليف ، أو كتابة تاريخ الإنتاج يدوياً ، فالظروف التي أعاقت الأجهزة الرقابية عن امتلاك وسائل الفحص في ، هي ذاتها التي حدت من قدرة صغار المنتجين على إستيفاء بعض الاشتراطات الشكلية ، فالقانون قد يجرم مثل هذه المخالفات في الأوضاع الطبيعية ، ولكن الأمر يختلف في ظروف الحرب التي نعيشها ، حيث نواجه اليوم واقعاً إستثنائياً لا تزال فيه الدولة تتلقى مساعدات من الخارج ، وكما نجد بعض المناطق التي حاصرتها المليشيا أضطر أهلها إلى أكل الأمباز ، فكيف يُعقل إعدام مواد صالحة للاستهلاك لمجرد غياب ملصق أو لكتابة تاريخ الإنتاج عليه بخط اليد ، رغم سلامة المنتج مع حاجة الناس الماسة إليه ؟ ، فوالله هذا لظلم ظاهر ، وواضح كوضوح الشمس في رابعة النهار ، والظلم ظلمات ، وكما هو معلوم بالضرورة يؤخر النصر .
إن إهدار هذه المواد ، وإن كان لدى من يقوم بتنفيذه سند قانوني في بعض الحالات ، إلا أنه يظل محل تساؤل أخلاقي ، خاصة في ظل هذه الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها الشعب السوداني ، فكيف تُعدم مواد نحن في أمس الحاجة إليها ؟ ، ومن هذا المنطلق ، نطالب بإنشاء وتفعيل فروع لجمعيات حماية المستهلك في جميع محليات الولاية ، بحيث تكون قريبة من المواطن ، وقادرة على أداء دورها التوعوي بكفاءة وفاعلية عالية قبل دورها الرقابي .
كما نؤكد على ضرورة تحري الدقة في استخدام المصطلحات ، خاصة كتلك التي تمس سمعة الولاية ، فقد كثر في هذه الآونة الأخيرة إستخدام عبارات تتعلق بالفساد والفاسدين ويُزج بها مع اسم الولاية في أمور شتى .
وصف منتجات بأنها فاسدة دون وجود أدلة علمية قاطعة على فسادها ، وقد أصبح هذا الاستخدام سهلاً ومفرطاً إلى درجة أضرت بالسمعة العامة أكثر مما أفادت المستهلك ، الذي يُعد المتضرر الأول من غياب الشفافية وضعف المؤسسات الرقابية ، فالمطلوب هو عمل مؤسسي جاد ، يستند إلى العلم والمهنية ، لا إلى الانطباعات الشخصية التي بتحكم فيها حالة المزاج .
فالولاية الشمالية أكبر من أن يذكرها أصحاب الغرض في أخبار مفخخة ومضخمة بصورة تفوق حجم الحدث نفسه ، أو على خلفية صراعات شخصية ضيقة لا علاقة للولاية بها .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
