☘️🌹☘️
نسمع كثيراً عن العودة إلى الخرطوم ، ولكن عودة أهل العلم والحكمة والمعرفة تعني الكثير ، فهم يحملون في مجيئهم الطمأنينة إلى نفوس الآخرين ، ويوقظون فيهم الإحساس بالأمن والأمان ، إنهم كالسكر الذي يضفي على الحياة مذاق الحلاوة و يغير من طعم الحموضة والمرارة ، ويبعث في من حولهم الإحساس ببهجة الحياة التي افتقدناها .
ولذلك فإن لعودتهم معنى أكبر من عودة الأشخاص إلى منازلهم ، إذ تمثل إيذاناً بأن الحرب السوداء بدأت تطوي صفحاتها الملطخة بدماء الابرياء ، وأن العاصمة بدأت تسترد ملامح الحياة ، وهي الآن تتهيأ لإستقبال أبنائها ، فعودة أمثال البروفيسور إبراهيم بخيت إلى الخرطوم تحمل الكثير من المعاني ، لأن عودته تعتبر رسالة أمل تؤكد أن أبواب الطمأنينة التي أوصدتها الحرب قد فتحت من جديد ، لأن في عودة أهل العلم والحكمة ما يعيد إلى الخرطوم روحها وعافيتها .
إبراهيم بخيت ، إلى جانب كونه أستاذاً جامعياً وعالماً لا يُشق له غبار ، فهو واحد من أولئك الذين خرجوا من ملح الأرض السودانية ، من ديم القنا بالخرطوم ، من أرض السمر والبسطاء ، ومن أماكن نقاوة معادن الرجال ، ففي تلك الأحياء الشعبية ، يتعلم الإنسان في بواكير حياته أن قيمة الإنسان في عطائه ، وليس الأخذ ، وأن معدن الإنسان الأصيل يظهر فيما يقدمه للآخرين ، وليس فيما يجمعه لنفسه .
وإبراهيم بخيت أستاذ في علم النفس الجنائي ، وشاعر ، وأديب ، وصانع مناهج تعليميه وتربوية ، وكاتب قصة ، وسيناريست ، وعالم تتعدد معارفه وتتسع آفاقه ، ولكن أجمل ما يميز هذا الرجل بساطته التي لم تفسدها المعرفة ، وتواضعه الذي لم تنل منه المكانة العلمية شيئاً ، وقلبه الذي لم تجد الكراهية إليه سبيلاً .
يحب البسطاء لأنهم أهله ، ويحبونه لأنهم يعرفون أن عطاءه ليس منة لأحد ، وأن قلبه أوسع من أن يضيق بهم ، ولا يحمل غلاً ، ولا يجعل من الإختلاف خصومة ، ولا يرى السودان من تلك النافذة الضيقة ، لانه يراه وطناً جميلاً وكبيراً يتسع للجميع ، مهما تباينت أفكارهم ومواقفهم .
ولعل الشئ الذي يستحق التأمل أن هذا الرجل ، وبهذه الرؤى ظل حاضراً في ذاكرة الوطن ، وغائباً عن عين الحكمة عندما توزع البلاد فرص المشاركة في صناعة مستقبلها ، فقد تجاوزته الذاكرة السياسية ، في لجان الحوار السوداني سوداني ، لأننا إعتدنا أن نبحث عن الحلول في الوجوه المألوفة ، ونترك أصحاب الرؤى المختلفة على هامش القضايا ، وخصوصاً أنه صاحب طرح يستحق النقاش ، يقوم على البحث عن كيفية حكم السودان بعيداً عن هيمنة العسكر والأحزاب ، في هذا البلد الذي أنهكه صراع السلطة وضاقت فيه مساحات التوافق بين أبنائه .
وعجبي أن تضيق مواعين الحكم في السودان عن أمثال هؤلاء ، ثم نشكو من فراغها ، ونتركها لمن لا يملكون ما يملأون به فراغ انفسهم قبل الوطن ، إلا بمزيد من الفراغ .
مرحباً بك يا بروف إبراهيم ، في الخرطوم وانت تزين شوارعها ، فعودتك ليست فرحاً لمحبيك وحدهم ، لأنها تمثل رسالة طمأنينة لآخرين كانوا ينتظرون إشارة تقول إن العاصمة الآن صالحة للعودة ، وإنها لم تعد حلماً بعيداً .
حفظك الله في نفسك وعمرك وعلمك وعملك ، وجعلك الله ذخراً لأهل السودان ، فما أحوجنا إلى عقول لا تستعلي على الناس ، وإلى قلوب لا تعرف الحقد ابداً ، وإلى رجال يحبون الوطن دون أن يطلبوا منه أي شيء .
الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
