40.1 C
Khartoum
الأربعاء, أغسطس 26, 2026

همس الحروف .. الفكرة التي سخر منها البعض ، أصبحت مشروعاً في مقدمة مشاريع المنطقة .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

لفت نظري حجم السخرية التي قابلت بعض تفاصيل خبر مشروع مدينة الإنتاج الحيواني في الولاية الشمالية ، خصوصاً الحديث عن تربية العقارب ، والثعابين ، والنعام ، وإنشاء مزرعة للتماسيح ، فبعض الناس تعاملوا مع الفكرة كأنها أضغاث أحلام ، بإفتراض أن أي مشروع جديد يجب أن يكون قد جُرب أمام أعينهم قبل أن يصدقوا بإمكانية نجاحه .

أنا أنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة ، لأنني عرفت الرجل الذي يقف وراء هذه الأفكار عن قرب ، وعرفت كيف يفكر وكيف يحول الفكرة من ورقة إلى واقع .

البروف أحمد التجاني المنصوري ليس غريباً على مثل هذه المشروعات التي تبدو في بدايتها بعيدة المنال ، فكنت شاهد عيان على تجربة سابقة له في دولة الإمارات العربية المتحدة ، عندما كانت فكرة مشروع الروابي مجرد فكرة صغيرة يحملها في شنطة يده .

في ذلك الوقت ، لم تكن الفكرة سهلة القبول ، وكان هناك من يرى أن مناخ الإمارات لا يصلح لتربية الأبقار الأوروبية ، وأن المشروع لن ينجح ، وكما يحدث مع كثير من الأفكار الجديدة ، فقد وجد المشروع من يثبط العزيمة قبل أن يجد من يدعمها .

لكن صاحب الفكرة لم يتعامل مع تلك الإعتراضات بإعتبارها نهاية الطريق ، فقد ظل يدافع عن مشروعه ويشرح جدواه حتى إستطاع إقناع مجلس إدارة الشركة ، وهي إحدى إستثمارات المنظمة العربية للتنمية الزراعية ، بالمضي في التنفيذ ، ثم جاء التمويل من المنظمة على مرحلتين .

والحمد لله لم تكن في ذلك الزمن وسائل للتواصل الإجتماعي كما الآن ، والتي بكل بساطة كان من الممكن أن تخرب كل هذه الفكرة بالتناول السالب ، إلا أن هنالك كانت فكرة جيدة ، وإرادة ، وإصرار على تنفيذها .

وهكذا قامت شركة الروابي للألبان والعصائر ، فلم تتوقف القصة عند قيام المشروع ، فبحمد الله إكتمل المشروع وتوسع حتى أصبح من أكبر المشروعات في المنطقة العربية ، وصار نموذجاً معروفاً في مجال الإنتاج الحيواني .

أقول هذا لأنني كنت شاهد عيان على هذه الرحلة منذ بدايتها ، رأيت الفكرة وهي صغيرة ، ورأيت صاحبها يحملها معه ، ثم رأيت كيف تحولت إلى مشروع قائم ، وكيف تحول المشروع بعد ذلك إلى تجربة ناجحة تتقدم المشروعات المشابهة في المنطقة .

ولذلك لا أستغرب عندما أسمع اليوم عن مدينة للإنتاج الحيواني في الولاية الشمالية ، فلن أتعامل مع الحديث عن العقارب ، والثعابين ، والنعام ، والتمساح بإعتباره مادة للسخرية كما فعل البعض .

العالم كله يبني إقتصاده على صناعات ومنتجات وأسواق كاملة تقوم على أشياء ربما تبدو لنا غريبة في البداية ، فسم العقارب ، على سبيل المثال ، هو ليس مادة تثير الخوف ، لأن له إستخدامات بحثية وطبية ، وتوجد له أسواق عالمية مرتبطة بالسموم الحيوانية ، ونجد أن أسعار بعض أنواع السموم النقية مرتفع جداً ، وهذا ليس أمر خيالي ، وإن كانت قيمتها تختلف من مادة إلى مادة ، حسب النوع والنقاء والإستخدام ، والسوق .

المهم هنا ليس أن نضحك على الفكرة ، أو نصدق كل رقم يقال عنها ، فيجب علينا أن نسأل هل يمكن دراسة هذه المشاريع علمياً ؟ ، وهل يمكن قيامها ؟ ، وهل يمكن أن تخلق قيمة مضافة وفرص عمل ؟ ، وهل يمكن أن يدخل السودان بها في أسواق جديدة ؟ .

إذا كانت الإجابة نعم ، فالمشروع يستحق أن يُدرس ويُدعم ، ويحب ألا يقتله أعداء النجاح بالسخرية قبل أن يبدأ .

فمدينة الإنتاج الحيواني المقترحة يمكن أن تكون أكبر من كونها حظائر لتربية الأبقار والأغنام ، فالفكرة كما وردت تتجه إلى منظومة إنتاج متكاملة ، اللحوم ، الألبان ، الجلود ، والإستفادة من كل المخلفات ، وتطوير صناعات جديدة مرتبطة بالثروة الحيوانية ، مع السعي إلى الوصول إلى مرحلة تغطي فيها البلاد إحتياجاتها ثم تبحث عن أسواق للتصدير .

وهذا بالضبط ما يحتاجه الإقتصاد السوداني أن ننتقل من بيع المنتج في صورته الأولى (الخام) إلى تصنيعه وإضافة قيمة إليه .

ومن هنا يأتي الحديث عن الإتفاق مع شركة فرنسية لتصنيع الجلود ، فجلد الحيوان الذي يخرج من السودان كمادة خام يمكن أن يتحول إلى صناعة ومنتجات وفرص عمل وعائدات أكبر إذا تمت معالجته وتصنيعه محلياً حسب حاجة السوق العالمي .

أنا لا أقول إن الطريق سيكون سهلاً ، وخصوصاً أن السودان يمر بظروف صعبة ، وأن أي مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى تمويل ، وبنية تحتية ، وإدارة ، وأمن ، ومياه ، وطاقة ، وأسواق ، وصبر طويل ، كما يحتاج إلى رقابة صارمة حتى لا تتحول المشاريع إلى شعارات ، ولكن صعوبة الطريق لا تعني إستحالة الوصول .

ولهذا عندما يقول الوزير بروف المنصوري إن المشروع يحتاج إلى الصبر والتضحيات حتى يرى النور ، فأنا أفهم تماماً ماذا يعني الرحل ، لأنني رأيت من قبل فكرة واجهت الإعتراضات نفسها تقريباً ، ثم أصبحت واقعاً ناجحاً .

قد يختلف الناس حول المشروع ، وقد ينتقدون بعض تفاصيله ، وهذا من حقهم ، ولكننا نرفض السخرية ، والتقليل من شيء يمكن أن بكون واقع .

أنا لا أرى ما يراه البعض بعيداً ، فقد رأيت من قبل فكرة كانت داخل شنطة يد ، ثم أصبحت مشروعاً قائماً ، ثم أصبحت تجربة كبيرة تتقدم المشروعات المشابهة في المنطقة العربية ، ولذلك فإنني أنظر إلى مشروعات بروف أحمد التجاني المنصوري اليوم من خلال تجربتي الشخصية معه بالأمس ، ولهذا أراهن على العزيمة قبل أن أراهن على الظروف .

نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا