34.9 C
Khartoum
السبت, يوليو 25, 2026

همس الحروف .. كثرة البلاغات ضد الصحفيين ، تحرق صورة السودان أمام العالم .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

بلاغات جنائية في مواجهة سبعة وأربعين صحفياً ، وهذا الرقم أصبح حديث المجالس قبل أن يكون حديث المحاكم ، وعند هذه المرحلة لم تعد القضية مقتصرة على أشخاص بأعيانهم ، بقدر ما أصبحت قضية دولة ، إنعكست آثارها على صورتها أمام العالم بصورة لا تليق ببلد يتطلع إلى ترسيخ سيادة القانون وإحترام الحريات .

العالم اليوم لا ينظر إلى كثرة البلاغات بالمنظار الذي ينظر به من يسعى إلى تشويه صورة الدولة أمام المجتمع الدولي ، فالعالم يقرأ ما وراء هذه الأرقام المخيفة ، ويعتبرها مؤشرات خطيرة على واقع الحريات العامة ، وحرية الصحافة على وجه الخصوص ، ولذلك يظهر السؤال الذي لا يمكن تجاهله ، ماذا يريد السودان أن يقول للعالم بهذا الكم الهائل من البلاغات المقدمة ضد الصحفيين؟ ، هل يريد أن يقدم نفسه كدولة تتسع للنقد وتستوعب إختلاف الآراء ، أم دولة يضيق صدرها بالرأي والرأي الآخر؟ ، وهذا هو السؤال الذي يفرض نفسه كلما أُضيف اسم صحفي جديد إلى قائمة البلاغات والتحقيقات .

ليس من الحكمة أن تتحول الصحافة إلى خصم للسلطة ، فالصحافة في كل أنحاء العالم هي البرلمان الذي يتحدث باسم الشعوب ، وخصوصاً عندما تغيب أصواتهم تحت قبة البرلمانات ، ولذلك يجب على من يجلس على الكرسي العام أن يعلم قبل غيره أن هذا الكرسي قد ظل عبر التاريخ الطويل محلاً للنقد والمساءلة ، لأن الوظيفة العامة ملك للشعب ، ومن حق الناس أن يسألوا ، وأن يناقشوا ، وأن يختلفوا .

ما يثير الإستغراب هو أن الرأي العام يسمع عن هذه البلاغات عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يسمع بها أصحابها ، وهذا خلل واضح في المؤسسات العدلية ، فلماذا يعرف المواطن أنه مطلوب من منشور على الإنترنت؟ ، فالعدالة لها أبوابها ، ولها إجراءاتها ، ولها هيبتها ، وهي أكبر من أن تتحول إلى مادة للتداول الإلكتروني قبل اكتمال خطواتها القانونية .

ثم يأتي السؤال الذي ينتظره الجميع ، في ماذا هذه البلاغات؟ ، ولماذا تتحفظ النيابة على موضوعاتها؟ ، فإن حجب المعلومات يفتح الباب أمام التكهنات والشائعات ، ويمنح فرصة صخمة لرواجها ، ويجعل الناس ينسجون الروايات بحسب ظنهم ، فالشفافية حق ، وهي جزء لا يتجزأ من العدالة .

فمن هو الذي يدفع السودان إلى هذا النفق المظلم؟ ، ومن هو صاحب المصلحة في رسم صورة قاتمة لهذا البلد الذي يلاحق صحفييه بهذا العدد الكبير من البلاغات؟ ، فإن التصنيفات الدولية لحرية الصحافة ليست بالانطباعات ، فهي تستند إلى الوقائع ، وهذه الوقائع يتم توثيقها ، وتُقرأ فيما بعد بصورتها التي وُثقت بها ، وتبقى مادة حاضرة في تقارير المنظمات الدولية لسنوات طويلة ، وما يُسجل اليوم لن يكون معاناة لهذه الحكومة وينتهي الأمر على ذلك ، فقد يظل أثر ذلك ملازماً لسمعة الدولة لسنوات ، وربما لعقود .

والنتيجة هنا معروفة سلفاً ، فكل صحفي يشعر أن الدولة قامت بمضايقته سيجد أبواباً كثيرة حول العالم مفتوحة له ، وستتسابق المؤسسات الحقوقية والإعلامية لإستقباله ، وستقدم قضيته بوصفها نموذجاً لصحفي تعرض للملاحقة بسبب عمله ، فعند ذلك تكون الخسارة من نصيب السودان ، وليست من نصيب الصحفي .

هنا لا أطالب بحصانة لأهل الصحافة ، ولا أدعي أن الصحفي فوق القانون ، فإذا أخطأ ، فالقانون هو الفيصل ، والقضاء هو الملاذ ، والحقوق لا تضيع ، غير أن تحويل الأقلام إلى قوائم طويلة من البلاغات لمجرد اختلاف الرأي يبعث برسالة مقلقة إلى الداخل والخارج معاً ، ويزرع الخوف في بيئة العمل الصحفي ، حتى يصبح الكاتب مشغولاً بما قد يجره عليه قلمه من ملاحقات ، قبل أن ينشغل بواجبه المهني في البحث عن الحقيقة وإظهارها .

ثم إن النيابة بوصفها الحارس الأول للعدالة ، مطالبة بأن تُحسن إستخدام سلطتها في تحريك الدعاوى الجنائية ، وألا تفتح أبوابها لكل خصومة سياسية أو شخصية تُكسى بثوب السلطة ، فالثقة في مؤسسات العدالة لا تتأتى إلا عندما يطمئن الناس إلى أن الاجهزة العدلية تتحرك وفق معايير قانونية ثابتة ، وليست كإستجابة سريعة لرغبات أصحاب البلاغات أو لضغوط أصحاب النفوذ .

في هذه اللحظة ، أعلن كامل تضامني مع كل صحفي ورد اسمه في كشوفات البلاغات ، إنطلاقاً من موقف مبدئي ثابت ، فهذا الموقف لا تحكمه مساحة الإتفاق أو الإختلاف مع ما يكتبه أي صحفي ، لأن حرية الصحافة لا تتجزأ ، ومن يدافع عنها لا ينتقي من يدافع عنهم ، فحق التعبير مكفول لمن يوافقني في الرأي ، وكما هو مكفول أيضاً لمن يخالفني ، إلا من ثبت تورطه في عمل يُجرمه القانون ، بأدلة قاطعة أو بحكم قضائي ثابت ، أو من تورط في عمل موجه ضد الوطن ، وليس لمجرد إختلافه مع الحكومة أو مع سياساتها .

ومن الواجب إن يبقى السودان أكبر من الخلافات السياسة ، وأكبر من معارك الأقلام ، ويكون أكثر قوة عندما تواجه فيه الكلمة بالكلمة ، والحجة بالحجة ، والقانون بالقانون ، فالدولة لا تخسر شيئا من النقد ، غير أنها تخسر الكثير عندما يقتنع العالم أن أصحاب الرأي يعيشون تحت ظلال الخوف .

واليوم قبل الغد ، يحتاج السودان إلى رسالة مختلفة تماماً عن الصورة التي ظهرت الآن ، رسالة تقول إن هذا البلد واثق من نفسه ، وأن مؤسساته تتسع للراي والرأي الآخر ، وأن القانون يُطبق بكل عدل وشفافية ، وأن الصحفي ليس خصماً للدولة ، فقد يكون في كثير من الأحيان مرآتها التي تكشف عيوبها لتعالجها .

نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا