☘️🌹☘️
ما أكثر الذين يظنون أن النفوذ يُورث إليهم ، وأن المواقع تدوم ، وأن الأبواب إذا أُغلقت في وجه الآخرين ستظل مفتوحة لهم إلى الأبد ، تلك لحظة يغلب فيها (وهم) القوة على حقيقة الحياة ، فينسى الإنسان أن الأيام لا تعطي حريف ، وأن عجلة الزمن لا تتوقف عند رغبة شخص مختل ، أو نفوذ مسؤول مريض أو جاهل .
في الذاكرة الشعبية قصة تختصر المعنى كله ، رجل ضاق صدره بآخر جلس لدقائق معدودات يستظل بشجرة أمام بيته ، فقام بطرده منها متعالياً ، كأنه يملك الظل ، والشجرة ، والأرض ، وفي صباح اليوم التالي ، كان الناس يتوافدون إلى البيت نفسه لتشييعه ، إذ أنه فارق الحياة فجراً ، فعندها قال الرجل المطرود كلمته التي بقيت حكمة تتناقلها الألسن على مر السنوات : (طردني من ظلها… وفات وخلاها كلها) .
يا هذا … إن الدنيا لا تعطي أحد صك ملكية دائم ، ولا تمنح أي إنسان حق مصادرة أرزاق الآخرين أو إقصائهم ، ومن يتصور أن بإمكانه إبعاد الناس عن مواقعهم ، أو محاصرة جهودهم ، أو إطفاء الضوء الذي يصدر منهم ، فإنه يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره ، فالناس قد تموت ، والأسماء قد تختفي ، ولكن العمل الصادق يجد طريقه إلى قلوب الناس مهما كثرت الحواجز والعوائق .
يا هذا ، كم من شخص ظن أن نفوذه سيبقى ، ثم وجد نفسه خارج الصندوق ، وهو يتمنى اليوم لو أنه يستطيع أن يفتح باب كان سبباً في إغلاقه ، أو ينصف رجلاً كان سبباً في ظلمه ، أو أن يترك مساحة لمن أراد أن يعمل بإخلاص ، وعندها لا يكون الندم قادر على إعادة ما تسبب فيه من أضرار ، ولا الإعتذار قادر على محو ما تركته المواقف في النفوس .
يا هذا ، ليس النجاح أن تبقى وحدك في الساحة ، وانت في حقيقة الأمر غائب عنها ، فإن النجاح الحقيقي هو أن تصنع ساحة تتسع للجميع ، فليس المجد أن تمنع الآخرين من الظهور ، فالنجاح الحقيقي أن يكون حضورك إضافة لهم ، وجسراً يعبرون به وليس جدار يصطدمون عنده .
يا هذا ، إن المؤسسات لا يرفع شأنها شخص واحد ، ولكنها ترتقي بكل يد تبني ، وبكل عقل يفكر ، وبكل قلم يكتب ، وبكل مخلص يعمل .
يا هذا ، من يحارب أصحاب المبادئ يظن أنه ينتصر ، ولكنه في الحقيقة يهزم المكان قبل أن يهزم الأشخاص .
ويا هذا ، سيأتي يوم يترك فيه كل إنسان موقعه ، طوعاً أو كرهاً ، وتبقى السيرة العطرة وحدها هي التي تتحدث عنهم ، وعندها لن يُسأل احد عن كم من الأبواب أغلقها ، ولكنه سيسأل كم من الابواب فتحها . ولن يُذكر بعدد من أبعدهم من مواقعهم ، ولكنه سيذكر بعدد من منحهم فرصة ليخدموا الناس .
ومن الحكمة أن يتذكر كل صاحب نفوذ أن السلطة ماضية وعابرة ، وان الموقع مؤقت جداً ، وبالذات لمن لم يحسن إدارته ، ولتعلم أن الناس لا تحتفظ إلا بالشيء الجميل ، وأما من وضع سيفه على رقاب الآخرين ، فالأيام كفيلة بأن تعيده إلى نفس الموضع الذي وضع فيه غيره ، ليذوق من من نفس الكأس ، ويجب أن يعلم أن دوران الأيام سنة كونية لا تتخلف أبداً لأحد ، وأن ما يزرعه في طرقات الناس ، سيحصده ولو بعد حين
وسنواصل .. فالحكاية لم تبدأ بعد
elbagirabdelgauom@gmail.com
