37.9 C
Khartoum
الأربعاء, سبتمبر 9, 2026

همس الحروف .. جيش التعليم يعمل في صمت شديد .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

هناك وزارات لا تحتاج إلى كثير من الكلام والأضواء كي تثبت أنها تعمل ، ويكفيها أن ترى ما تتركه خلفها من نتائج ، فوزارة التعليم والتربية الوطنية ، بها جيش من الرجال والنساء يعملون بعيداً عن الأضواء ، لا يطلبون تصفيق من أحد ، ولا ينتظرون إحتفاء بما ينجزون ، يدخلون إلى مكاتبهم وقاعاتهم ومراكز عملهم ، يحمل كل واحد منهم مهمته كما يحمل الجندي سلاحه ، ثم يبدأ معهم يوم طويل لا يعرف شيئاً من الراحة ، هكذا تعمل وزارة التعليم والتربية الوطنية .

وبالأمس عندما تم إعلان إجازة نتيجة الشهادة الثانوية السودانية للعام 2026 رسمياً ، بدا الموضوع للناس بسيطاً ، (وزير يلتقي برئيس مجلس السيادة) ، ثم إعتماد النتيجة ، ولكن خلف تلك اللحظة التي يغطيها السكون ، كانت هنالك حكاية أخرى مختلفة تمام الإختلاف ، حكاية عمل شاق إمتد لأيام وأسابيع ، شارك فيه آلاف الأشخاص ، وكل واحد منهم كان يعرف أن أي خطأً صغير قد يغير مصير طالب ويبدد تعب أسرة كاملة .

نحن نتحدث عن نحو 600 ألف طالب وطالبة جلسوا لإمتحانات الشهادة الثانوية في 3,333 مركز داخل السودان وخارجه ، بينهم نحو 60 ألف طالب في 14 دولة خارج السودان .

ستمائة ألف طالب وطالبة ! ، رقم لا يمر على العين مرور الكرام ، رقم يتجاوز عدد سكان دولة الفاتكان ، ويوازي عدد سكان بعض دول الإقليم إنه عدد يجعلنا نتوقف قليلاً لنسأل : كيف جرى كل ذلك ؟ ،

كيف جرى تنظيم جلوس هذا العدد الهائل من الطلاب ؟ ، وكيف وصلت أوراق الامتحانات إلى أماكنها بالضبط ؟ ، وكيف جرى تأمين مراكز الإمتحانات ؟ ، وكيف جُمعت بعد انتهاء الإمتحان ؟ ، وكيف صُححت ؟ ، وكيف رُصدت الدرجات ؟ ، وكيف تمت المراجعة والتدقيق ؟ ، وكيف جرى إدخال هذه الأرقام وحوسبتها ، ثم إخراج نتيجة نهائية يفترض أن تكون كل درجة فيها في مكانها الصحيح ؟ ، هذه ليست قصة إمتحان وانتهت الحكاية على ذلك ، فهذه دولة كاملة من الإجراءات والخطوات والأيدي والعقول تعمل خلف الستار .

ولعل أجمل ما يمكن أن نصف به هؤلاء العاملين أنهم يشبهون تروس الساعة ، فنجد ترس صغير يدفع ترس أكبر ، والكبير يحرك مجموعة أخرى ، وكل ترس يعرف أن توقفه قد يعطل الساعة كلها .

لا أحد منهم يمثل الصورة الكاملة ، ولكن هذه الحكاية لا تكتمل من دونهم ، ولهذا فإن نجاح إمتحانات بهذا الحجم ليس إنجاز شخص واحد ، ولا وزارة وحدها ، ولا إدارة بعينها ، إنه حصيلة عمل جماعي هادئ ، شارك فيه معلمون وإداريون ومصححون ومراجعون وفنيون وعاملون في الحوسبة والكنترول ، وأعداد كبيرة من الذين لا تظهر أسماؤهم عندما يتم إعلان النتيجة ، رغم أن نجاحها يحمل بصماتهم .

ومن هنا فإن الكلام عن النتيجة لا ينبغي أن يتوقف عند نسب النجاح والدرجات والطلاب الأوائل ، او الناجحون أو الذين لم يحالفهم الحظ في هذه المرة ، فهناك قصة أخرى تستحق أن تُروى ، وهي قصة الذين صنعوا للنتيجة طريقها حتى خرجت إلى الناس ، وفي مقدمة من يستحقون التوقف عندهم ، هو ذلك الرجل المعلم والإنسان ، الدكتور معتصم علي الشيخ عبد الرحمن ، مدير عام القياس والتقويم والإمتحانات ، وأركان سلمه وكل العاملين معه .

قد يختلف الناس في تقييم السياسات والقرارات ، وهذا حق طبيعي ، ولكن هناك أعمال شاقة ينبغي أن يُعطى أصحابها حقهم من التقدير عندما ينجزونها ، فإدارة إمتحان بهذا الحجم ، وفي بلد مر وما زال يمر بظروف بالغة التعقيد ، فهذه المهمة تعتبر مسؤولية ثقيلة جداً .

والأمر نفسه ينطبق على قيادة الوزارة ، وعلى رأسها الوزير الشاب الدكتور التهامي حجر الزين ، الذي قاد أثقل الملفات التعليمية تعقيداً ، وأكثرها حساسية ، في هذه الظروف الإستثنائية .

ربما لا يعرف المواطن العادي شيئاً عن الساعات الطويلة التي يقضيها هؤلاء خلف الأبواب المغلقة ، ولا عن الإتصالات والإجتماعات والمراجعات والقلق الذي يسبق إعلان النتيجة ، فالمواطن يرى النتيجة على شاشة هاتفه ، أو يسمع إسم إبنه الطالب عبر الإذاعة والتلفزيون ، أو عبر الرسائل النصية ، أما الذين صنعوا هذه اللحظة ، فعاشوا تفاصيلها لحظة بلحظة، ويوماً بيوم ، وورقة وورقة ، ورقم ورقم ، وهذا العمل الجبار لا يراه الناس . ولذلك ربما يكون من الإنصاف أن نقول لهم اليوم ، شكراً جزيلاً يليق بمقامكم ، وشكراً لكل معلم جلس ساعات يصحح إجابات الطلاب ، وشكراً لكل مراجع أعاد النظر في ورقة خشية أن يظلم طالباً ، وشكراً لكل موظف حمل ورقة أو راجع رقماً أو أدخل درجة ، وشكراً لكل من وقف خلف هذا العمل ولم يبحث عن صورته في مقدمة الموقف ، فهؤلاء هم الجنود الحقيقيون في معركة التعليم ، لأنهم يحملون مسؤولية مستقبل أجيالنا .

ستمائة ألف طالب ليسوا رقماً في كشف وينتهي الأمر على ذلك ، فوراء اسم كل طالب ، أب وأم وأسرة ، ووراء كل نتيجة حلم يُنتظر ، ووراء كل درجة فرحة قد تبدأ بها حياة جديدة .

ولهذا فإن إنجاز إمتحانات الشهادة الثانوية بهذا الحجم وفي هذه الظروف يستحق أن يُنظر إليها بعين مختلفة ، فقد تكون الوزارة عملت بصمت ، كما إعتادت على العطاء الصامت ، فقد لا يسمع الناس صوت التروس وهي تدور ، ولكن الساعة تعمل بدقة متناهية .

فلهم منا خالص التقدير والاحترام ، ولهم من كل أهل السودان الدعاء بأكثر مما تستطيع الكلمات أن تقول ، فجزاهم الله عنا خير الجزاء ، وحفظهم وأسرهم ، ورعاهم وسدد خطاهم ، ولا أراهم الله مكروهاً في حياتهم قط .

نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا