32.2 C
Khartoum
الجمعة, أبريل 17, 2026

همس الحروف .. رحيل شليبو ترك في القلب ندبة لا تندمل ..✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

في أمسية الخميس 16 أبريل 2026 ، بحي الدرجة الأولى عند بوابة جمارك الولاية الشمالية ، في (برش الأصدقاء) ، إجتمعنا بعد أداء صلاة العشاء حول آيات من القرآن تُليت على روح أخ حبيب غادرنا كجسد ، وبقيت روحه فينا كمعنى لا يغيب ، كانت ختمة قرآنية حملت اسم اللواء الشهيد قريب الله أحمد حسن شليبو ، تصاعدت فيها الآيات إلى السماء ، بينما كانت قلوبنا تهوي إلى أعماق الفقد ، فجلسنا هناك ، وكل واحد منا كان يحمل حزنه بصمت ثقيل ، حتى بدا الهواء نفسه خانقاً للأنفاس .

شليبو رجل إذا ذُكر اسمه ، تدافعت الصفات النبيلة معه دون حاجز ، فهو كريم بصورة ليست لها حدود ، ويتميز بنزاهة مطلقة ، وجرأة عجيبة في قول الحق ، ولا يخشى في ذلك لومة لائم ، فثلاثون عاماً من ربيع عمره قضاها في المعامل الجمركية ، واقفاً كالجبال الراسيات في وجه الفوضى ، ومؤمن بأن خدمة الوطن ليست وظيفة ، وإنما هي عهد بين الخالق والمخلوق ، كان يمضي إلى عمله بروح العابد ، ويعود منه وقد ترك هناك في مكان عمله ، قيمة روحية لا تُرى بالعين ، ولكن تُحس بالقلب .

جذوره من الريف الشمالي لأمدرمان ، من تلك الأسرة الطيبية التي غرست فيه الزهد ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي تلك الدوحة تشكلت روحه ، فكان قريب الله قريباً من القرآن ، وملازماً لأهله ، وبعد وصوله إلى دنقلا فقد وجد نفسه في حلقات (برش الأصدقاء) التي ملأته سكينة عصمته من ضجة الحياة ، فلم يكن يعيش لنفسه ، ولقد كان يعيش لفكرة أكبر ، ولقيمة أسمى ، لوجه الله الذي لا يضيع عنده شيء .

في تلك الليلة ، فقد تبارى المتحدثون عنه ، إلا أن اللواء محمد الحسن الكودابي بحديث فقد عمق الحزن في قلوب الجميع ، فكان يتكلم ، وكنا نحن نسمع كلماته بقلوبنا ، فالكودابي رجل نحبه ويحبنا ، فتحدث عن الشهيد ولم تكن كلمات يلفظها بلسانه ، فكانت عبارة عن روح تنزف ، ودموع منهمره ، ساخنة ، وصادقة ، وموجعة ، وكأنها تختصر حكاية رجل فقد أخ لا يسد مكانه غيره ، وما أعظم دموع الرجال حين تخرج بلا تكلف ، وما أصدق دموع القادة حين تكشف ما يُخفى خلف الصلابة ، بكى الكودابي، فبكى معه كل الحضور ، حتى شعرنا بأن هذا الفقد هو جرح جماعي يسكن في الجميع .

كنت أتابع حديثه بكل كياني ، كأن كل خلية في جسدي تنصت إليه ، لم يكن الكودابي يرثيه بلسانه ، لأن الحديث كان يخرج من قلبه ، وبروحه ، وبكل ذكرياته التي كانت تتكسر أمامنا ، ففي صوته إرتجاف الفقد كان ظاهراُ ، وفي ملامحه يسكن وجع الرحيل ، وفي صمته ما يعجز الكلام عن الإفصاح به ، ولأول مرة في حياتي أشعر بأن الألم يمكن أن يُرى بالعين ، ويُلمس باليد ، ويُمكن تذوقه باللسان ، وأن يمكن أن يتحول إلى شيء مادي يثقل الصدر ويكسر الروح .

قريب الله كان اسمه يشكل حضور يملأ المكان ويفيض ، وغيابه فجوة يصعب سدها ، آه .. آه .. آه .. فقد رحل وترك خلفه فراغاً تتسع دائرته كلما حاولنا ملأه بالذكرى ، فلم يكن من أولئك الذين يمرون على الحياة مرور الكرام ، لانه كان من الذين يكتبون أسماءهم في القلوب ، ويحفرونها في الوجدان ، ثم يغادرون تاركين وراءهم صمتاً موجعاً لا يزول .

نسأل الله الكريم ، رب العرش العظيم ، أن يتقبله في عليين ، وأن يجعله في صحبة الصالحين ، وأن يجزيه عن وطنه وأهله خير الجزاء ، ونسأله أن يحفظ من أحبوه ، وأن يربط على قلوبهم ، وأن يجعل هذا الحزن نور يقود إلى الصبر .

نسأل الله أن يحفظ الأخ الكودابي ، ذلك الرجل الصادق ، والأصيل ، وأن يحفظ كل من كان على شاكلته ، وكل من حضر معنا ، وأن يبارك في الأعمال والإعمار .

ونحن ندرك أن بعض الرجال لا يُشيعون إلى قبورهم وحدهم ، وإنما يُدفن جزء منا معهم ، فحين نفقدهم ، نفقد جزءاً عزيزاً من أنفسنا ، ويبقى الجزء الآخر شاهداً على أن الفقد الحقيقي لا يُنسى ، وإنما يُعاش في كل يوم من جديد .

فالموت حق ، والحياة إلى فناء ، وإني إستغفر الله العظيم
elbagirabdelgauom@gmail.com

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا