☘️🌹☘️
نجد في هذه الأيام دعوات تحمل طابعاً عنصرياً بغيضاً ، وترفع شعارات حادة مثل: (قطع رأس الفتنة) ، أو (قطع رأس الأفعى) ، ويُقصد بذلك قيادة الولاية الشمالية التي عُرفت بالحسم في أخطر الملفات التي كانت تشكل تهديداً أمنياً للولاية وما جاورها ، كما مضت في طريق إستعادة حقوقها من المركز ، وما زالت تسعى بخطوات جادة نحو رفع سقف الإنتاج الزراعي بإحداث نقلة نوعية عبر التوسع الأفقي في مساحة الموسم الشتوي ، والإستفادة من الموسم الصيفي في بعض المحاصيل النقدية ، وهناك كثير من الملفات التي لا يسع المجال لذكرها .
وفي وسط هذه الدعوات التي ملأت فضاءات التواصل الاجتماعي ، يغيب عن البعض أن أخطر ما يجري على أرض الواقع ليس هو ما يُروج له عبر حملات منظمة ضد إيواء النازحين الذين لجأوا إلى الولاية ، وإنما في محاولة إستغلال هذا الملف وتضخيمه وتحويله إلى وقود للفتنة ، فالحقيقة المؤلمة هي أن من يرفعون لواء محاربة الفتنة يسهمون فعلياً في صناعتها ، عبر خطاب متشنج ، ومواقف غير مسؤولة ، وتصرفات تفتقر إلى الحكمة في لحظة تتطلب من الجميع أعلى درجات التعقل .
ما يحدث في الولاية الشمالية الآن لا يمكن فهمه خارج الملف الإنساني ، فالولاية أمام أزمة نزوح فرضتها ظروف الحرب في دارفور وبعض مناطق كردفان ، فلجأت آلاف الأسر إلى المناطق الآمنة هرباً من الخطر وبحثاً عن الأمان .
كلنا نعلم تمام العلم أن ما يحدث في الولاية ليس أزمة مصطنعة ، ولا نتيجة لمخطط خفي ، وإنما هو واقع إنساني ضاغط تعيشه البلاد بأكملها ، وبما عُرف عن الولاية من إستقرار ، فقد أصبحت ملاذاً طبيعياً لهؤلاء الفارين من جحيم لا يُحتمل .
لكن هذا الواقع بطبيعته ، خلق ضغطاً كبيراً على بعض المحليات ، وعلى رأسها محلية الدبة ، التي تجاوزت قدرتها الاستيعابية ، ومن هنا جاءت فكرة توزيع العبء بشكل عادل على بقية المحليات بواقع محدود ومدروس (100 أسرة لكل محلية) ، كحل عملي وإنساني يهدف إلى التخفيف وتحقيق الاستقرار ، وليس إلى تغيير ديمغرافي قسري كما إدعى البعض .
من المهم التأكيد بوضوح شديد أن هذا القرار ليس مفروضاً من المركز على الولاية ، ولا يحمل أي أبعاد سياسية أو ديموغرافية خفية كما يحاول البعض الترويج لذلك ، وإنما هو اجتهاد محلي نابع من تقدير واقعي للظروف ، وحرص من قيادة الولاية على تحقيق توازن بين واجب الاستضافة وقدرة المجتمع المحلي على التحمل ، غير أن بعض الأصوات إختارت أن تسلك طريقاً آخر ، وهو طريق إثارة الفتنة وبث المخاوف والتلاعب بالعواطف ، وطرح عناوين لا تستند إلى الصدق في الطرح ، مثل عبارات (التهديد الديموغرافي) و(تغيير التركيبة السكانية) ، فمثل هذا الكلام ، وفي هذا التوقيت تحديداً ، يُعتبر محاولة لزرع الفتنة في ثوب القلق المشروع .
أخطر ما في هذا الموضوع هو تحويل قضية إنسانية بحتة إلى معركة خطابية ، ومحاولة إيهام الناس بوجود أمر يُحاك لهم خلف الكواليس ، وهذا الخطاب في حد ذاته لا يشبه القيم التي عُرف بها إنسان الولاية ، القائمة تاريخياً على التكافل والتراحم ، وكان بالإمكان ، وبكل بساطة ، إستيعاب هذه الأسر داخل القرى كجزء من النسيج الاجتماعي ، وليس كحالة طارئة ، سيما وأن النازح لا يد له في ذلك ، غير أن الخطاب المشحون حال دون ذلك ، وسعى إلى خلق حالة من الإنقسام لا تخدم القضية .
فالمطلوب من الذين يحملون أبواغ الفتنة فهم القضية أولاً ، وإغلاق الأبواب المؤدية إليها فوراً ، وهذا الأمر لن يتحقق إلا بالاعتراف بأن النزوح واقع إنساني يجب التعامل معه بمسؤولية ، مع رفض الخطاب الذي يثير الكراهية بناءً على تكهنات غير مبررة ، ويحب دعم أي حلول عملية تسعى إلى توزيع الأعباء التي وقعت على الولاية بعدالة وإنصاف ، والتأكيد على أن الاستضافة يجب أن يكون دافعهما إنساني وأخلاقي .
إن الذين يدعون اليوم إلى قطع رأس الفتنة يجب عليهم مراجعة خطابهم التحريضي هذا ، لأن الكلمة في أحيان كثيرة قد تكون أخطر من الفعل نفسه ، وقد تشعل ما لا يمكن إخماده بسهولة .
والحقيقة أن الأمر بسيط جداً ، فهو ليس صراعاً في مسألة هوية كما حاول البعض من أهلنا في المحس تصوير ذلك ، ولا هو مشروع لإعادة تشكيل المجتمع ، وإنما هو إستجابة إنسانية ، ويجب أن تكون فورية لظرف خارج عن إرادة الجميع ، والمقصود منها هو تخفيف الضغط على محلية الدبة ، لأن الأمر قد تجاوز حدود قدرتها الاستيعابية ، وأي محاولة لتصوير الأمر على غير ذلك يُعد فتنة غير مبررة ، مما قد يؤدي إلى تعقيد الأزمة بدلاً من حلها .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com
