33.1 C
Khartoum
السبت, مارس 21, 2026

همس الحروف .. عفواً ، سعادة العميد شرطة محمد عثمان البخيت ، أنت تبني وغيرك يسخر .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

نجد في كل مرة يظهر فيها جهد إصلاحي ، وإن كان بسيطاً في مدينة دنقلا ، يخرج علينا من يسارع إلى السخرية منه ، وذلك ليس من باب وجود عيب حقيقي فيه ، ولكن لأن ثقافة معاداة النجاح تدفع البعض لممارسة هوايتهم المفضلة ، وهي التقليل من أي محاولة للتغيير مهما كانت ، حتى أصبحت هذه النظرة السلبية عادة راسخة لدى الكثيرين في المدينة .

وما قيل عن ظهور سعادة العميد شرطة محمد عثمان مدير إدارة مرور الولاية الشمالية أثناء تركيب لوحة كتب عليها (ممنوع الوقوف) ليس إلا مثالاً واضحاً على هذا النمط السطحي من التفكير الذي لا يرى أبعد من تقليل أي حدث بدون وعي .

الحقيقة أن اختزال الأمر في (تركيب لوحة) فقط ، فيه قدر كبير من التبسيط المخل بالمعادلة ، فالمسألة لم تكن عبارة عن قطعة حديد تُثبت في زقاق كما قيل ، ولكنها كانت عبارة رسالة قوية ذات مدلول صخم ، من أجل الحفاظ على النظام ، لا سيما أنها تُبث في مدينة إعتاد أهلها ولسنوات طويلة على تجاهل اللوائح والاستهانة بالقانون .

فحضور مسؤول بهذا المستوى الرفيع ، بوصفه أعلى قمة هرم إدارة المرور بالولاية ، لا يعني أنه جاء ليؤدي عملاً يمكن أن يقوم به أبسط عامل في المدينة ، ولكنه جاء ليؤكد مبدأً واضح ، وهو لا أحد فوق النظام بعد اليوم ، وكما أراد أيضاً أن يثبت للعامة أنه لا يوجد أمر صغير عندما يتعلق هذا الأمر بترسيخ هيبة القانون .

ومن المؤلم جداً ، والمؤسف حقيقة ، أن واقعنا اليومي يعكس خللاً عميقاً في السلوك العام ، فقد تعودنا وبكل أسف ، ألا نرمي الاوساخ إلا في المكان الذي كُتب فيه (ممنوع رمي الأوساخ هنا) وتعودنا ألا يتجنب البعض التبول (أعزكم الله) إلا في المكان الذي كتب فيه (ممنوع التبول) ، وهذه المخالفات المتعمدة تكشف حجم الأزمة السلوكية التي يعيشها الشعب ، وأصبحنا لا نستجيب لروح القانون ، ونتعمد التعامل معه بعكس مقصده في تحد صارخ للسلطة التنفيذية ، وكأن اللافتة (اللوحة) دعوة ضمنية للمخالفة وليس للالتزام .

من يسخرون من هذه الخطوة يتناسون أن المشكلة ليست في اللوحة فقط ، وإنما في سلوكهم تجاهها ، وفي ثقافتهم السطحية التي تختزل النجاح في كلمة (لا) ، فنحن نعيش في مجتمع لا يحترم الإشارات إلا في وجود الرقيب عند الإشارة نفسها ، ولذلك نحن نسعى إلى أن يكون أي فعل رمزي بمثابة باعث لإعادة الاعتبار إلي لنظام ، فالقضية ليست في حجم الإنجاز المادي كان (قليلاً أو كثيراً) ، وأنما في الأثر المعنوي الذي يرسخه الفعل في وعي الناس .

وعلى سبيل تقريب المعنى ، ولله المثل الأعلى ، فإن تعظيم القيم وترسيخها لا يكون بالقول المجرد ، لأن أصحاب الظاهر لا يؤمنون إلا بفعل نابع من القدوة ، ومن أعلى الهرم ، فحين أراد الله تعظيم شأن الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، بدأ بنفسه العلية ، ثم ثنّى بملائكة عرشه ، ثم وجه الخطاب للمؤمنين ، في دلالة بليغة على أن إعلاء المقام يبدأ من القمة ليترسخ في القاعدة ، وكذلك هي القوانين والمبادئ تكتسب هيبتها حين يتقدم أهل المسؤولية لتجسيدها عملياً قبل أن يطالبوا الناس بها .

ثم إن الحديث عن العالم وصل وين ونحن وين لا ينبغي أن يُستخدم كأداة للتقليل ، وكان من المفترض أن تكون كحافز للفهم العميق ، فالعالم الذي وصل إلى النقل الذكي لم يصل إليه بالقفز بالزانة ، وأنما أتى ذلك بالبناء التدريجي الذي يبدأ من احترام أبسط القواعد ، ولذلك لا يمكننا أن نتحدث عن تقنيات متقدمة في بيئة لا تحترم حتى الإشارات التي تضبط النظام العام .

أما الادعاء بأن الأمر مجرد (بروباغندا) فهذا الاستنتاج ناتج عن جهل المتحدث بطبيعة القيادة الميدانية ، فالقائد الحقيقي أمثال محمد عثمان لا ينعزل في مكتبه وينزوي خلف أبواب مؤصدة ، فلا بد أن ينزل إلى الميدان ويسجل حضوره بصورة لافتة ليعالج الخلل بنفسه ، ويبعث برسائل واضحة وقوية بأن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء ، وأن زمن الإفلات من العقاب يجب أن ينتهي فوراً .

بكل صراحة مجردة ، نحن أمام مشكلة أعمق من تركيب لوحة أو تصوير أياً كان الغرض منهما ، إننا نواجه ثقافة تحتاج إلى إعادة تشكيل ، فثقافتنا التي توارثناها لا تحترم القوانين إلا شكلياً ، أو عند وجود الرقيب الصارم ، ولا تلتزم بها إلا تحت الضغط ، ومن هنا فإن أي خطوة تهدف إلى إعادة الاعتبار لهذه القيم مهما بدت للبعض صغيرة ، فإنها تستحق الدعم وليس السخرية .

التحية والتقدير والاحترام لكل من يسعى إلى إصلاح هذا الخلل ، والتحية مضاعفة عشرة مرات لسعادة العميد شرطة محمد عثمان البخيت ، الذي يؤمن بأن بناء دولة القانون يبدأ من التفاصيل الصغيرة جداً ، التي لا يراها البعض إلا بعين السخرية والعياذ بالله .

والله من وراء القصد وهو الهادي الى سواء السبيل

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا