☘️🌹☘️
السجن .. وما أدراك ما السجن ، هو ذلك المكان الذي تُغلق فيه الأبواب وتُفتح فيه الجراح ، وتمضي فيه الأيام بطيئة كأنها لا تريد أن ترحل بكوابيسها عن المكان ، جئنا إليه في زيارة العيد برفقة السيد والي الولاية الشمالية ، الذي خاطب النزلاء بصوت مختلف هذه المرة ، فلم يكن الصوت هو صوت ذلك المدفعجي المرعب الذي يجلجل في آذان كل من تسول له نفسه بتجاوز الخطوط الحمراء ، لقد كان صوته اليوم بعيداً عن نبرة السلطة وتوقيع الأوامر ، فكان صوت إنسان يخاطب أخاه الإنسان بلغة القلوب .
وقف سعادة الجنرال عبد الرحمن داخل سجن دنقلا ليس بصفه والياً ، وأنما بصفته أباً رؤوفاً لأن الموقف فعلاً بحتاج إلى الأبوة ، ووقف أمامهم بصفته أخاً حنوناً لأن صدور من يخاطبهم ضاقت من شدة قهر الحبس ، وجاء إليهم كذلك كصديق ناصح لأنه يدرك أن الصداقة قد غابت كثيراً عن واقعنا ، فخرجت كلماته بصوت حنين وحزين ، فنقلت نبضاً حياً من قلبه إلى قلوب الحاضرين ، ودخلت إلى أعماقهم دون إستئذان .
لقد نظر إلى وجوههم ، فهاله المشهد ، لإنهم شباب في مقتبل العمر ، وكان يفترض أن تكون أحلامهم خارج الأسوار ، وليس خلفها ، فتسعة من كل عشرة ، أو يزيدون ، هم من هؤلاء الذين كان ينبغي أن يحملوا معاول البناء ، فعند هذا المشهد المؤلم تأثر السيد الوالي ولم يستطع أن يخفي وجعه ، فسألهم سؤالًا بسيطاً في لفظه ، ولكنه كان عميقاً في أثره ، (لماذا أنتم هنا؟) .
لم يكن السؤال من أجل تدبيج اتهام جديد لهم ، ولكنه كان بمثابة مرآة عاكسة تم وضعها أمام كل واحد منهم ليرى نفسه كما هي ، بلا تبرير ولا هروب ، وتحدث إليهم عن السجن ليس بوصفه عقوبة ، ولكنه أكد لهم أنه عبارة عن ابتلاء من عند الله ، وقد يُعيد تشكيل الإنسان الذي يمتلك الإرادة .
وقال لهم إن الجريمة ليست قدراً يولد مع الإنسان ، لانها تمثل سلوكاً يُكتسبه الفرد من آخرين ، ويمكن أن يُترك أيضاً بهكذا صورة بدون مقدمات .
وفي تلك اللحظة، لم تكن دموع السجناء ضعفاً ، بقدر ما كانت بداية وعي ، وقد بكت قلوبهم قبل عيونهم التي أرسلت دموعاً ساخنة ، وهذا يعني أن ضمائرهم ما زالت تنبض بالحياة ، وأن الطريق إلى الإصلاح لم يُغلق بعد .
فدعاهم إلي أن يجلس كل واحد منهم مع نفسه جلسة صدق لا رياء فيها ، وأن يحاسبها ، وأن يراجعها ، وأن يسأل نفسه : (من أكون ؟ ، وماذا أريد أن أكون؟ ، فقد ذكرهم بأن خلف هذه الجدران هناك أم تنتظر ، وأب يترقب ، وأُسر ناقصة بغيابهم ، ووطن لا يزال يحتاج إلى سواعدهم .
لم يطلب منهم المستحيل ، ولم يرسم لهم طريقاً مثالياً ، ولكنه أشار إلى أبسط الأبواب ، وهي أن يكون لكل واحد منهم دور في الزراعة ، أو في سوق العمل المختلفة ، أو في البناء ، أو في أي شيء مفيد في الحياة ، فالوطن لا يُحرر بالسلاح وحده ، فمن الواجب ان يعلم الجميع أن العمل جهاد فلا بد أن تُحييه أيادي تعرف قيمة العطاء .
كان حديثه بسيطاً جداً ، ولكنه كان صادقًاً إلى حد أن الكلمات لم تُسمع بالآذان ، ولكنها سكنت في القلوب وأبكت العيون . وهذا هو الفرق بين من يتحدث ليُسمع ، ومن يتحدث ليُغير .
فتمنى أن يأتي يوم العيد القادم ، وفي زيارته المقبلة إذا كتب الله له ولنا (العمر) ، ألا يرى أحد منهم ، أو غيرهم في السجن ، وأكد لهم أن ذلك ليس حلماً مستحيلاً ، ولكنه كان بمثابة رجاء إنساني صادق من ولي الأمر ، ولعل جدران السجن قد تتحول من أماكن إحتجاز إلى محطات عبور نحو حياة جديدة .
فالسجن كما قال لهم ، أنه ليس نهاية الطريق ، سيما وأنه يمثل بداية المسير الصحيح ، وهي تلك البداية التي يختار فيها الإنسان النهوض والإصلاح ، بالعودة إلى نفسه أولاً قبل أن يعود إلى المجتمع .
إنه يوم إستطاع فيه السيد الوالي أن يخرج السجناء من أبواب السجن ، إلى مساحات الحياة الواسعة ، التي تهزم اليأس الذي كان يثقل قلوبهم ، فالتحية لك يا كبير ، فهكذا تكون الأبوة الصادقة ، وهكذا تكون القيادة الراشدة .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
