30.3 C
Khartoum
الخميس, مارس 19, 2026

همس الحروف .. الأستاذ عابدين عوض الله ، الوالي السابق ، بين الغيبة والإنصاف.. ✍️ د. الباقر عبد القيوم على

☘️🌹☘️

في المجالس التي تعقب الإفطار بعد آذان المغرب وقبل آذان العشاء والتراويح ، يُفترض أن تصفو النفوس بعد يوم شاق من الصيام ، فكثيراً ما تنزلق الأحاديث في بعض المجالس إلى مساحات لا تليق بروح العبادة والشهر الفضيل ، فتُستباح الغيبة ، ويتم تناول الغائبون بآراء قاسية وسالبة ، وكأن الصيام كان إمتناعاً عن الطعام والشراب فقط ، وليس تهذيباً للسان والقلب .

ومن أكثر ما يُؤسف له أن يتحول تقييم المسؤولين ، الحاليين أو السابقين ، إلى سيل من الانتقاص بصورة سالبة لمجرد النقد ، لا الإصلاح ، كما حدث ذلك في الحديث عن الوالي السابق للولاية الشمالية ، الأستاذ عابدين عوض الله ، فغلبت نبرة السخط في تناوله بصورة غير لائقة به ، وغابت الموازنة في الحديث عنه ، حتى بدأ وكأنه لم يقدم للولاية شيئاً يذكره له التاريخ ، ويُعد هذا السلوك قراءة غير عادلة في سيرته ، وغير منصفة في حقه ، وغير دقيقة .

إن الإنصاف يقتضي أن نذكر للرجل ما له ، قبل أن نذكر ما عليه ، وأن نُقر بأن لكل مرحلة في تاريخ هذه الولايه لها ظروفها الخاصة بها ، ولكل مسؤول إجتهاده الذي يميزه عن الآخر .

وإذا أردنا أن نُجمل ما يُحسب في حق الأستاذ عابدين عوض الله ، فإن هناك ثلاث إنجازات جوهرية ، فلو لم يقدم غيرها لكفته فخراً ، وحُسبت له إنجازاً .

أولاً تقديم الشباب في إدارة المحليات كمدراء تنفيذين ، ولقد اتخذ الأستاذ عابدين خطوة جريئة جداً عندما دفع بشباب أشداء إلى مواقع المسؤولية في المحليات ، فإختار طاقات شابة مفعمة بالحيوية ، وقادرة على العمل الميداني ، فكان لذلك أثر واضح في تنشيط الأداء ، وبث روح جديدة في إدارة المحليات ، وهذه الخطوة غير تقليدية ، وقد عكست مدي قدرة هؤلاء الشباب على القيادة وتحمل المسؤولية .

وثانياً فقد قدم الرجل شباباً في الوزارات كوزراء ، فلم يتوقف هذا التوجه عند المحليات فقط ، وإمتد ذلك إلى مستوى قيادة الوزارات بالولاية ، حيث إختار نخبة من أميز شباب السودان لتولي الحقائب الوزارية ، وقد تميز هؤلاء الوزراء بالتنوع والكفاءة ، وإستطاعوا رغم قصر فترتهم أن يضعوا بصماتهم ، ويقدموا نموذجاً مختلفاً في العمل التنفيذي ، قائماً على الحيوية ، والطاقة والتجديد .

ثالثاً قام الرجل بجمع مجموعة أولاد قمري في قائمة واحدة ، وهي خطوة ذات بُعد إجتماعي وأمني مهم ، إذ نجح في جمعهم تحت مظلة واحدة ، وأدخلهم في إطار منظم ، مما ساهم في حمايتهم من التفلتات ، أو إستغلالهم من قبل المليشيا ، وكما أغلق الباب أمام كل إحتمالات إنجرافهم نحو مسارات قد تضر بأمن الولاية ، وهذا الأمر يعتبر معالجة ذكية لملف في غاية الحساسية ، وكما أن هذا الأمر في حد ذاته يعتبر أكبر إنجاز له ، ويُحسب لعابدين في باب الملف الأمني وباب المسؤولية المجتمعية .

هذه النقاط الثلاث إذا لم يُقدم الأستاذ عابدين عوض غيرها ، لكفته شاهداً على أنه لم يكن حضوره في الولايه مجرد فراغ ، فالرجل صاحب رؤية مختلفة حاول أن يطبقها في حدود ما أتيح له في تلك المرحلة .

ثم إن الحديث عن تعاقب المسؤولين يجب أن يُفهم في إطاره الطبيعي ، فقد أشار سعادة الجنرال عبد الرحمن عبد الحميد والي الشمالية في حفل وداع الأستاذ عابدين إلى أن الأمر في حقيقته عبارة عن (تكملة أدوار) ، ولكل مرحلة رجالها ، وهذا قول حكيم من رجل محنك ، وضع الأمور في نصابها ، فيجب ألا يُفهم مجيء اللاحق على أنه إلغاء للسابق ، ويجب ألا يُتخذ التغيير ذريعة للجحود والانتقاص من حقهم .

كما أن من الإنصاف أن نذكر أيضاً جهود من سبقوه ، مثل الأستاذ الباقر أحمد علي الوالي الأسبق ، فكلهم إجتهدوا في ظروف صعبة ، ولكل منهم بصمته التي لا يستطيع أن ينكرها عليهم أحد ، وإن إختلفت الرؤى وتباينت النتائج .

من المؤكد أن الغيبة لا ينصلح بها حال أبداً ، وأن النقد عندما يفقد ضابطه ورشده يتحول إلى ظلم بواح ، ويجب أن يدرك الجميع أن الظلم ظلمات وإن كان ذلك بكلمة واحدة ، ويبقى في تعريفه ظلماً ، ولا يتغير إسمه أبداً ، ولذلك يجب علينا أن نضبط ألسنتنا وقلوبنا في غياب الناس ، وأن نزن كلماتنا بميزان الحق قبل أن تخرج من أفواهنا ، وأن نستحضر دائماً أن الله معنا يسمع ويرى ، وأن مبدأ الحساب قائم بيننا ، وعند الله تلتقي الخصوم .

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا