30.3 C
Khartoum
الخميس, مارس 19, 2026

همس الحروف .. قضية الإبل ، شاهد حي على عدالة القضاء السوداني .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

لقد طويت واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل ، وهي التي عُرفت إعلامياً بـ(قضية الإبل) ، والتي كتبنا عنها عدة مقالات بعد أن أخذت مسارات دراماتيكية ، شابتها الضبابية ، وتقلبت فيها الأدوار وتبدلت مواقع الخصوم .

منذ بدايتها لم تكن القضية نزاع حول ملكية إبل ، إذ أخذت منحى آخر تحولت أحداثه سريعاً إلى ملف شائك امتلأ بالتقاطعات ، والغموض ، الذي أسهمت فيه الأجهزة التنفيذية إسهاماً مباشراً .

في أحداث هذه القضية ، نجد أن الشاكي الذي لجأ إلى القانون طلباً للإنصاف ، وجد نفسه فجأة في قفص الاتهام ، يواجه أخطر التهم تحت المادتين (50) و(51)، وهي مواد تتعلق بجرائم موجهة ضد الدولة، في تصعيد بدأ للكثيرين غير مبرر ، وفي ذات الأثناء مثير للريبة ،
وفي المقابل تحول من وجهت إليهم أصابع الاتهام في ممارسة القرصنة المسلحة في بداية القضية إلى شهود ، في إنقلاب قانوني أربك المتابعين ، وفتح الباب واسعاً للتساؤلات حول كيفية إدارة هذا الملف ، والجهات التي أعادت تشكيله بهذا
الشكل المعقد .

الأكثر إثارة للقلق لم يكن تبادل الأدوار الذي حدث بقدرة قادر ، ولكن أهم شيء في الموضوع هو إختفاء تفاصيل محورية من مسرح الأحداث التي إختصرت تعقيدات العدالة في أسوأ صورة لها ، وبرزت فيها مجموعة من التقاطعات التي فتحت أبواباً كثيرة للتأويل ، و ما زال لسان حال كل الذين تابعوا هذه القضية يتساءلون : أين ذهبت السيارات التي استُخدمت في عملية القرصنة ؟ ، وماذا عن السلاح الذي تم ضبطة كشاهد على جريمة واضحة المعالم؟ ، وكيف يمكن لقضية تحمل كل هذه المؤشرات الجنائية أن تنتهي دون تفكيك كامل لكل خيوطها ؟ ، ورغم كل هذه التعقيدات فقد برز الدور المحوري الذي إضطلع به القضاء السوداني ، والذي ظل سداً منيعاً أمام أي إنحراف في مسار العدالة ، فقد أكد من خلال هذا الحكم ، إلتزامه الراسخ بمبدأ الحياد وإستقلالية القرار ، بعيداً عن الضغوط والتأثيرات ، واضعاً ميزان العدالة فوق كل إعتبار ، وإن ما صدر من حكم يعكس حرص هذه المؤسسة العريقة على إنصاف المظلوم مهما كان ، وترسيخ سيادة حكم القانون ، وهو ما يستحق الإشادة والتقدير للمؤسسة العدلية ، بوصفها ركيزة أساسية لحماية الحقوق وبناء الثقة في مؤسسات الدولة .

كادت القضية في إحدى مراحلها أن تنزلق إلى منحى خطير ، حين أُحيطت بسرديات كان من شأنها أن تُدخل الدولة بأكملها في دائرة توتر ذي طابع عنصري ، لولا أن بعض الأصوات العاقلة التي إلتقطت خطورة المسار .

وبعد كل هذا التعقيد ، جاء حكم المحكمة ليعيد ترتيب مسار القضية ، إذ قضى ببراءة المتهمين من التهم المنسوبة إليهم ، مع توجيه بإعادة المبلغ الذي بيعت به الإبل ، وهو مبلغ وصفه المتابعون بأنه (بخس) ، ولا يعكس القيمة الحقيقية للإبل .

لكن الحكم رغم أهميته ، لم ينتهي معه الجدل ، وربما فتح باباً جديداً من الأسئلة : هل تحققت العدالة كاملة؟ ، أم أن الحقيقة ظهرت فقط في حدود ما سمح به مسار القضية ؟ ، ومن يتحمل مسؤولية هذا الخلط الذي جعل الشاكي متهماً ، والمتهم شاهداً ، والوقائع نفسها عرضة للاختفاء؟ .

إن هذه القضية ببساطتها الظاهرية وتعقيدها الفعلي ، تقدم نموذجاً حياً لأهمية الشفافية في الإجراءات ، وضرورة حماية مسارات العدالة من أي تأثيرات قد تحرفها عن غاياتها الأساسية .

وإلى أن نكشف لكم التفاصيل الكاملة في الأيام المقبلة ، ستظل قضية الإبل محطة تستحق التوقف عندها ، وذلك ليس فقط لدى المهتمين بالشأن القانوني ، وأنما على مستوى الوعي العام لكل أفراد الشعب السوداني ، ومن المؤكد أن هذه القضية ستسجل ضمن السوابق التي توثقها مجلات الأحكام القضائية ، كما ستصبح جزءاً من السرديات التي تُروى في المجالس ، شاهدة على كيف يمكن أن تتبدل المواقع ، وتضيع الحقائق ، قبل أن تعود مرة أخرى إلى مسارها الطبيعي ، ولو عودة جزئية .

والله من وراء القصد وهو الهادي الى سواء السبيل

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا