☘️🌹☘️
إن المتأمل في موقف الصين من الحرب الدائرة في الشرق الأوسط يدرك أن السياسة الدولية محكومة بمنطق المصالح قبل أي اعتبار آخر ، إذ تتراجع كل الاعتبارات الأخلاقية المجردة أمام حسابات القوة والمنفعة ، فالمصالح هي التي ترسم مسار العلاقات بين الدول ، وتحدد طبيعة التحالفات والاصطفافات ، حتى بين الدول التي تبدو في ظاهرها أقرب إلى الحلفاء .
الصين تعتبر شريكاً إستراتيجياً لإيران ، لكنها في الوقت نفسه تحرص على عدم الانخراط المباشر في أي صراع قد يقود إلى إنتصار حاسم لطهران ، أو انهيار كامل لها ، هذا الموقف الذي أمامكم ليس تناقضاً بقدر ما هو تعبير عن حسابات إستراتيجية دقيقة ،
فالصين تدرك أن إيران تمثل عنصراً مهماً في موازين القوة في الشرق الأوسط ، وأن وجودها كدولة فاعلة يمنع اختلال التوازن الإقليمي ، فوجود إيران يحد من الهيمنة المطلقة لأي طرف آخر ، ويخلق حالة من التوازن النسبي في المنطقة ، ولكن في المقابل ، لا ترغب بكين في أن تتحول إيران إلى قوة منتصرة بشكل كامل ، لأن ذلك قد يخلق توترات أوسع في المنطقة ، فد تهدد المصالح الاقتصادية الصينية .
من المؤكد أن المصالح الاقتصادية هنا تلعب الدور الأكبر ، فدول الخليج العربي تعتبر من أهم الشركاء التجاريين للصين ، حيث تستورد هذه الدول بضائع صينية بمئات المليارات من الدولارات سنوياً و مثال لذلك في 2024 كان حجم الإستيراد يقدر بحوالي (274) مليار دولار ، وكما أن السوق الأمريكية نفسها تظل أحد أكبر الشركاء التجاريين للصين ، ففي العام 2025 كان حجم إستيراد السلع الصينية حوالي (560) مليار دولار . لذلك فإن بكين لا تستطيع التضحية بهذه الشبكة الاقتصادية الضخمة من أجل الانحياز الكامل إلى طهران في صراع إقليمي معقد .
ومن زاوية أخرى تستفيد الصين من بقاء إيران تحت ضغط العقوبات والعزلة الدولية ، فالعقوبات تفتح أبواباً للتجارة غير الرسمية (السوق السوداء) ذات الأسعار المحروقة ، وخصوصاً في مجال الطاقة ، وهكذا تستطيع الصين الحصول على النفط الإيراني بأسعار أقل عبر قنوات السوق السوداء ، وهذا ما يعطيها ميزة إقتصادية لا تتوفر في الأسواق المفتوحة .
هذا لا يعني أن الصين ستتخلى عن إيران أو يمكن أن تقف ضدها ، وعلى العكس تماماً ، فقد قدمت لها أشكالاً مختلفة من الدعم على مدار السنوات الأخيرة ، سواء في مجالات التكنولوجيا أو التعاون العسكري أو الاقتصادي .
غير أن هذا الدعم يظل مضبوطاً بسقف واضح ، دعم يمنع السقوط الكامل ، وفي نفس الوقت لا يصل إلى حد صناعة النصر .
إنها معادلة دقيقة جداً ، فإيران يجب أن تبقى ، ولكن هذا البقاء بجب ان يكون مضبوطاً بضعف كي لا يربك التوازنات الكبرى ، وأيضاً يجب ألا تبقى قوية بما يكفي كي لا تختفي من المعادلة .
يبدو أن الاستراتيجية الصينية تقوم على إدارة التوازن والإمساك بالعصا من الوسط ، لا على حسم الصراع بإنتصار طهران أو هزيمتها ، بقدر ما تهدف إلى إبقاء الصراع ضمن حدود لا تُخل بمصالحها الاستراتيجية .
وبهذا المعنى، فإن موقف الصين يبدو (بين بين) ، لا يمثل إنسحاباً خجولاً ، وفي نفس الوقت لا يشكل حضوراً لافتاً ، فهو أقرب إلى سياسة (ثم لا يموت فيها ولا يحيا) ، فالأمر محسوب بدقة شديدة حضور يهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية الكبرى ، والحفاظ على قدر من الاستقرار النسبي في موازين القوى ، مع إبقاء جميع الأطراف في حالة توازن لا غالب فيها ولا مغلوب .
وهذا ما ظهر جلياً ، إذ إن القواعد التي تحكم سلوك القوى الكبرى في السياسة الدولية لا تقوم دائماً على أي مبدأ أخلاقي ، يُمكن أن يتحقق منه إنتصار لحلفائها ، بقدر ما تقوم على حفظ حالة التوازن الذي يخدم مصالحها الاستراتيجية على المدى الطويل .
والله من وراء القصد و الهادي الى سواء السبيل
