☘️🌹☘️
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى ، هذه المواجهة لا يمكن فهمها بإعتبارها حرب عسكرية تقليدية لأنها تمثل صراع مركب يجمع بين الأبعاد العسكرية والسياسية ، والاقتصادية ، والنفسية .
ولعل ما يزيد من تعقيد الأمر هو حجم القدرات التدميرية لدى جميع الأطراف ، والتشابك العميق لمصالح القوى الدولية والإقليمية في هذه الحرب .
فطبيعة الحرب الدائرة حالياً لا تشبه الحروب التقليدية التي تهدف إلى إحتلال دولة أو إسقاطها بالقوة العسكرية المباشرة ، فهي تتمثل في تدمير للقدرات الاستراتيجية ، وإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة .
نجد أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان بشكل أساسي إلى تحقيق ثلاثة أهداف وهي تحييد البرنامج النووي الإيراني ومنع تحوله إلى سلاح نووي فعلي ، والسعي الجاد لتدمير أو إضعاف منظومة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية التي أصبحت تشكل هاجساً كبيراً لإسرائيل وأمريكا ، بالإضافة لمحاولة تقليص النفوذ الإقليمي لإيران الذي إمتد خلال العقدين الماضيين عبر شبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في المنطقة .
ولكن نجد ان هذه الأهداف تصطدم بواقع مهم وهو أن إيران ليست دولة ضعيفة أو معزولة عسكرياً ، خصوصاً انها تمتلك واحدة من أكبر منظومات الصواريخ في الشرق الأوسط ، إضافة إلى خبرتها الطويلة في إدارة الحروب غير المتكافئة .
وثانياً من الخطأ الإغفال عن القدرة التدميرية الإيرانية تجاه إسرائيل ، فنجد ان إيران طورت خلال السنوات الماضية منظومة صاروخية ضخمة ومتنوعة تشمل صواريخ باليستية بعيدة المدى وصواريخ دقيقة في تحقيق أهدافها ، وطائرات مسيرة إتضح أثرها الفعال في حرب ال12 يوم ،
وقد أظهرت الضربات المتبادلة أن إسرائيل رغم امتلاكها أنظمة دفاع جوي متطورة مثل القبة الحديدية ، ومقلاع داؤد ، أنها غير محصّنة بالكامل ، فالهجمات الصاروخية الكثيفة قادرة على إغراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي بعدد كبير من الصواريخ في وقت واحد ، وهو ما يؤدي إلى اختراقات تسفر عن أضرار مادية وبشرية ضخمة .
وقد شهدت بعض المدن الإسرائيلية بالفعل أضراراً في البنية التحتية والمنشآت الاقتصادية ، وهو أمر يعكس حقيقة أن الحرب مع إيران ليست حرباً من طرف واحد ، لأنها تعتبر مواجهة بين قوتين تمتلكان قدرات ردع متبادلة وقوية .
كما أن امتداد التوتر إلى الخليج العربي يعكس بدوره خطورة الصراع ، حيث أصبحت القواعد العسكرية والمنشآت النفطية أهدافاً محتملة في حال إتساع دائرة الحرب ، وهذا الأمر مرفوض تماماً تحت أي ذريعة .
ثالثاً يطرح البعض فرضية أن الضربات العسكرية قد تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني ، ولكن هذا الاحتمال ليس بسيطاً لعدة أسباب ، وذلك لأن النظام الإيراني قائم على بنية مؤسساتية معقدة تشمل الحرس الثوري ومؤسسات أمنية وعقائدية واسعة النفوذ ، وكذلك تمتلك إيران قاعدة اجتماعية وقومية قد تتوحد خلف الدولة عند التعرض لهجوم خارجي ، حتى لو كان جزء من الشعب معارضاً للنظام ، وأيضاً نجد ان الجغرافيا الإيرانية المعقدة والواسعة ، بالإضافة لعدد سكانها الكبير يجعلان أي محاولة للسيطرة العسكرية المباشرة أمراً بالغ الصعوبة ، ولذلك فإن فكرة تغيير النظام بالقوة العسكرية المباشرة تبدو غير منطقية في المدى القريب ،
لفهم خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران ، ينبغي النظر إليه ضمن إطار الاستراتيجية الأمريكية التقليدية في إدارة الحروب والصراعات ، ويمكن تلخيص نية ترامب في ثلاثة أهداف إستراتيجية محتملة ، أولها هو إعادة فرض الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط ، لانه خلال العقد الماضي تراجع النفوذ الأمريكي نسبياً في المنطقة ، في مقابل صعود قوى إقليمية مثل إيران وتركيا ، وقد يرى ترامب أن مواجهة إيران تمثل فرصة لإعادة تثبيت النفوذ الأمريكي وإعادة رسم التوازنات الإقليمية ، وثانياً قد لا يكون الهدف النهائي هو إسقاط النظام الإيراني ، إذ تعتبر هذه الضربات وسيلة لإجباره على قبول اتفاق أشد صرامة من الاتفاق النووي السابق ، ويشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي ، بمعنى آخر نجد أن الضغط العسكري قد يكون أداة تفاوضية جيدة للوصول إلى صفقة جديدة .
دعا ترامب الشعب الإيراني إلى ثورة ضد نظامه ، وقد يكون هذا الأمر جزءاً من حرب نفسية وسياسية تهدف إلى خلق توتر داخل النظام ، وإضعاف تماسكه ،
ولكن نجاح هذا الأسلوب ليس مضمون النتائج ، لأن التاريخ يُظهر أن معظم المجتمعات الإسلامية والعربية تتماسك عندما تتعرض لتهديد خارجي .
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار هذا الصراع ،
فالسيناريو الأول من المتوقع ان تكون الحرب محدودة تنتهي بتسوية ،
وفي هذا السيناريو تستمر الضربات المتبادلة لفترة محدودة ، قبل أن تتدخل القوى الدولية لفرض وقف إطلاق النار وبدء مفاوضات جديدة ، وهذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً لأن كلفة الحرب الشاملة ستكون هائلة على جميع الأطراف .
اما السيناريو الثاني: هو انهيار داخلي في إيران ،
وقد يحدث ذلك إذا ترافقت الضربات العسكرية مع أزمة اقتصادية حادة بالتزامن مع انقسامات داخل النخبة الحاكمة ، ولكن هذا الاحتمال الأخير يظل أقل ترجيحاً بسبب تماسك مؤسسات الدولة الإيرانية .
وأما السيناريو الثالث والأخير يعتبر أخطر هذه السيناريوهات ، وهو نشوب حرب إقليمية واسعة النطاق ، ومن المحتمل أن يمتد الصراع فيها إلى عدة جبهات في الشرق الأوسط ، وكذلك قد يشمل جميع المعابر المائية ، وفي هذه الحالة من المؤكد تعرض طرق التجارة العالمية وممرات الطاقة لإضطرابات كبيرة ، وهذا ما سيؤثر تاثير مباشر على الاقتصاد العالمي بأسره .
أما تحذير الولايات المتحدة لمواطنيها من مغادرة بعض دول الشرق الأوسط ، بما في ذلك مصر ، لا يعني بالضرورة وجود خطة لضرب تلك الدول ، وفي العادة تصدر مثل هذه التحذيرات عندما تخشى واشنطن من
هجمات إنتقامية ضد المصالح الأمريكية ، لانه من المتوقع أن تتسع رقعة الصراع إلى مناطق أخرى في المنطقة ، ولذلك فإن هذه التحذيرات غالباً ما تكون كإجراءات احترازية أكثر من كونها مؤشرات على إحتمال عمليات عسكرية مباشرة .
عموماً إن الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران يعتبر إمتحان صعب في تاريخ الشرق الأوسط ، لانه يعتبر صراع على شكل النظام الإقليمي ، ومستقبل موازين القوى في المنطقة ، في ظل امتلاك جميع الأطراف قدرات عسكرية نوعية ، فإن أي تصعيد غير محسوب قد يقود إلى حرب واسعة ستكون لها آثار عميقة على الأمن والاستقرار العالميين .
لهذا يبقى الاحتمال الأكثر فرضية هو إستمرار الضغط العسكري والسياسي لفترة من الزمن ، قبل أن ينتهي الصراع بتسوية سياسية تعيد رسم قواعد التوازن في المنطقة ، دون أن تحقق أي جهة نصراً عسكرياً ، حاسماً وكاملاً .
