34.3 C
Khartoum
الأحد, مارس 22, 2026

همس الحروف .. الأستاذ خالد ساتي بطل من أبطال معركة تعمير الخرطوم ..✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

سلسلة ، من الخرطوم سلام

التاريخ العسكري له صفحات مضيئة على الرغم من أن آثار حرب السودان كانت كارثية على الإنسان ، والحيوان ، والطبيعة ، وحياة الناس على وجه العموم ، ولكن الحرب خلدت أسماء أبطال أشاوس ، فهم الآن حاضرين في ذاكرة الأمة السودانية ، وستكون لهم صفحات مكتوبة بمداد من ذهب ، وأيضاً إن للتاريخ المدني رجاله الذين لا تقل بطولاتهم في حرب التعمير عن المقاتلين ، فالحروب دائماً لا تنتهي بإنسحاب السلاح ، لأن بعد ذلك تبدأ مرحلة أشد قسوة منها وهي مرحلة محو آثار الحرب ، وهنا يظهر الأبطال الحقيقيون

من بين هؤلاء برز اسم الأستاذ خالد ساتي ، فهو رجل أعمال قرر أن يكون في مقدمة الصفوف في الوقت الذي تردد فيه الكثيرون ، فبعد يومين فقط من إعلان دخول الجيش إلى الخرطوم وقبل تحريرها كاملاً ، حط الرجل برحاله في العاصمة التي تعتبر جرحاً مفتوحاً ما زال ينزف .

الرجل قرر السباحة عكس التيار وهو يعلم بعدم توفر الكهرباء ، وليس هنالك ماء ، ولا خدمات ، ولا أي مظهر من مظاهر الحياة ، فقط كان يخيم الخوف على كل الناس المتواجدين في الخرطوم مما حصل لهم من ترهيب ، ومن ذكريات سوداء مع المليشيا ، وكانت تحاصر الخرطوم الأمراض ، ويتربص بهم البعوض ، إذ يعد شريكاً قسرياً لهم في كل اللحظات في الليل والنهار ، وكذلك الدبيان .

لكن خالد ساتي لم ير في الخراب نهاية ، فآثر البقاء في المكان الذي غادر منه الآخرون ، و حاول التعايش مع قسوة الواقع دون تذمر ، وتحمل المرض بشتى أنواعه مع الإنهاك ، والإجهاد ، والملايا وحمى الضنك ، وكان دافع ذلك إيمانه العميق بأن تعمير الأرض لا يكون إلا بأفراد يؤمنون بأن الله إستخلفهم من أجل هذه المهمة . فحين ضاقت به السبل ، فكر الرجل خارج الصندوق ، وحول المستحيل إلى فكرة ، والفكرة إلى عمل ، وشرع في تأهيل منشأته بموارد شحيحة جداً ولكن إرادته كانت صلبة لا تقهر ، متحدياً كل الظروف ، حتى أصبحت إنجازاته لاحقاً حديث المدينة ، وعلامة على أن الخرطوم ما زالت قادرة على بناء نفسها بأيادي أبنائها ، وما فعله الرجل من فعل يعتبر مقاومة مدنية حقيقية ، ومشاركة قوية في معركة إعادة الحياة إلى العاصمة .

للأستاذ خالد ساتي في قصة كفاحه هذه ذكريات لا تنسى ، ونجده دائماً يصطحب معه النجاح ولم ينسبه لنفسه وحده فقد ظل وفياً لنهج الشراكة والاعتراف بالفضل للآخرين ، من عمال ومهنين ومهندسين وأصدقاء ، فكان يذكرهم دوماً بالخير ويخص بالذكر كل من أسهم معه بأفكاره ، وإرشاداته في هذه الظروف الحالكات . ومن بينهم كان يبرز اسم الأستاذ الطيب سعد الدين وزير الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم ، الذي كان لحضوره الفكري وتوجيهه أثر بالغ في تثبيت الرؤية وشحذ العزيمة ، فالنجاح دائماً تصنعه الشراكات والعقول المتعاونة والإرادات الصادقة .

خالد ساتي بطل بحق وحقيقة ، لم يقاتل بالسلاح ، ولكنه قاتل بالإصرار والعزيمة ولم يرفع بندقية ، لكنه رفع سقف الأمل للمواطنين ، ولم ينتظر أن تعود الدولة بكامل عافيتها ، ولكنه كان من أوائل المساهمين في شفائها ، فهو من صانعي المجد ولكن بصمت شديد ، فالرجل لا يحب الأضواء ، ولذلك وجب علينا أن نضع إسمه بين أبطال معركة تعمير الخرطوم ، وفي أجمل صفحات التأريخ .

و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا