☘️🌹☘️
ليس كل الموت يعتبر قدر بريء ، فبعض الأقدار تصنعها أيادي بشرية ، وذلك بالإهمال ، والتقصير ، والاستهانة بحياة الناس .
الإبن الخلوق منيب طارق مصطفى ميرغني شاب عشريني يكد في الحياة ويصارع الظروف من أجل لقمة العيش ، خرج من عمله بمصنع كيك السيسي بمنطقة السليم ، كما يفعل العشرات من الشباب في كل يوم ، حاملاً هم أسرته ، مجتهداً من أجل اللقمة الحلال ، فبعد إنتهاء ساعات دوام عمله عبر إلى دنقلا بالكبري الرابط بين السليم ودنقلا مستغلاً دراجته النارية ، وكان المسار الجنوبي للكبري مغلقاً ، والحركة تسير عبر المسار الشمالي فقط ، وفي صباح اليوم التالي ، وقبل أن تشرق الشمس ، عاد منيب مسرعاً إلى مكان عمله عبر ذات الطريق ، دون أن يعلم أن هنالك قراراً إدارياً مرتجلاً حول الكونتينر الذي يتم إغلاق الكبري بواسطته من المسار الجنوبي إلى المسار الشمالي ، دون أن تضع السلطات الآمرة أو المنفذة لهذا القرار أي تحذير ، أو إضاءة ، أو عواكس ، وكما ليس هنالك حواجز في بداية الكبري توضح أن المسار مغلق ، فكانت تلك اللحظة هي آخر محطة في حياة الشاب الخلوق منيب أسأل الله له الرحمة والمغفرة و أن يصبر أهله على جلل مصابهم .
إرتطمت دراجة الشاب منيب بالكونتنير إرتطاماً مميتاً وتحولت إلى حطام وعلى ظهرها كان منيب ومعه زميله .. إن الذي حدث في ظاهره أمر عادي ، ولكنه ليس حادثاً عرضياً ، ولا يمكن اختزاله في عبارة (قضاء وقدر) للهروب من المسؤولية ، نعم الموت قدر ، لكن الأسباب من صنع البشر ، وعندما تكون هذه الأسباب ناتجة عن إهمال جسيم ، فإنها تقترب كثيراً من مفهوم القتل الخطأ ، أو القتل بالإهمال المتعمد .
أين الحواجز ذات العواكس المضيئة التي تنبه السائقين أثناء ساعات الظلام ؟ ، ولماذا لا تكون هنالك عواكس ضوئية ، فكم تكلفة هذه العواكس مقارنة بحياة الإنسان ؟ ، أم الحياة لبس لها قيمة ؟ .
لقد حذرنا المسؤولين مراراً من خطورة هذا الكونتينر الذي يتوسط الكبري ، ولا نرى أي داعي لوجوده من الأصل ، وكذلك حذرنا من استخدام إطارات السيارات كحواجز عند الإرتكازات ، فهي معلومة للجميع بأنها غير مرئية ليلاً ، وسبق أن دفع أناس كثر حياتهم ثمناً لهذا الإهمال المتعمد ، ومن بينهم كان مصور تلفزيون قناة الشمالية الشاب ممدوح ، وغيرهم ممن لم تسعفني الذاكرة لذكر أسمائهم ، فكم روحاً يجب أن تزهق حتى نتحرك لتلافي الموت الذي تسببت فيه أيادي بشرية ؟ .
من المسؤول عن هذه الجريمة ؟ ، هل هو متخذ القرار ؟ ، أم الجهة المنفذة ؟ ،
أم شرطة المرور السريع التي يتبع لها هذا الكبري ؟ ،
أم هي تداخل الاختصاصات الذي أصبحت شماعة جاهزة لتبرير أي فشل يحدث ؟ .
النتيجة واحدة ، لا أحد يحاسب المتسبب ، لأن القاعدة المؤلمة تقول : (من أمن العقاب أساء (…..) ونحن نقول أساء إستخدام السلطة .
والأكثر قسوة من الحادث نفسه ، هو الصمت الذي أعقبه . لم نسمع عن زيارة رسمية واحدة لأسرة منيب من الذين كانت لهم أيادي خفية في هذا الحادث ، لا إعتذار ، لا مواساة ، لا اعتراف بالخطأ ، وكأن الضحية مجرد رقم يُضاف إلى سجل الحوادث والاموات ، ثم يُطوى ملف الحادث بعبارة : (ربنا يرحمه) .
نحن لا نطالب بالمستحيل ، ولكننا نرفع صوتنا عالياً ونطالب بالحد الأدنى من العدالة ، وهي محاسبة المتسببين ، ويجب ألا تأخذنا فيهم رأفة ، حتى تحصل الإستفادة من مثل هذه الأخطاء الذي تؤدي إلى إزهاق حياة الإنسان بغير حق .
نلتمس فتح تحقيق مباشر وشفاف ، من أجل تحديد المسؤوليات بوضوح ، كما نؤكد أن من حق أولياء الدم قانوناً المطالبة بالتعويضٍ الذي يتناسب مع حجم الضرر وفداحة الإهمال الذي أودى بحياة الضحايا لأن الحق الخاص لا يسقط بالتقادم ولا تلغيه المجاملات .
هذا ليس بكاء على إبننا منيب ، ولكنها صرخة من أجل الأحياء القادمين على نفس الطريق ، وفي نفس الظلام ، وتحت قائمة نفس الإهمال .
فإما أن نحاسب ليكون الحساب عظة وعبرة ، أو نواصل توزيع الموت بالمجان ، وسنتابع الموضوع ، وللحديث بقية ، لأن الصمت لم يعد خياراً .
(اللهم إني قد بلغت ، اللهم فاشهد) .
الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
