☘️🌹☘️
هنالك رجال عظماء سيرتهم ليست تواريخ نذكرها كما نذكر غيرها ، لأنها تمثل محطات نتوقف عندها طويلاً ، فهي إمتداد حي للمكان الذي أنجبهم وآواهم في طفولتهم وبدايات نشأتهم ، كما تمثل أيضاً امتداداً للزمن الذي شكل وعيهم ، وغرس فيهم القيم النبيلة دون عناء ، وصنع منهم رجالاً تركوا بصمتهم الخالدة في التاريخ .
المقدم شرطة مرتضى محمد خلف الله واحد من أولئك الذين تُقرأ شخصياتهم كما تُقرأ الكتب المعتقة عن المدن العريقة ، قراءة متأنية ، وبهدوء عميق ، وانتباه بالغ ، حيث يلتمس القاريء جمال التفاصيل ، ويتأملها كما يتأمل أهل الفن اللوحات ذات القيمة التاريخية الخالدة .
من مدينة كريمة تلك البقعة التي إقترنت في الوجدان بالجمال والكرم والعطاء ، وفي منطقة الجرف تحديداً ، شكلت الفطرة السليمة غذاء روحياً لأبنائها ، وكان مرتضى أحدهم فامتزجت تلك القيم النبيلة بذكاء اجتماعي عالي ، كان وما يزال مشكلاً أساسياً لملامح الطفولة التي نشأت هناك ، فلم تكن الأخلاق تُدرس في مدارس تلك المنطقة ، لأنها كانت تكتسب بالفطرة من روح المنطقة ، حيث كانت الوطنية غذاء لكل من نشأ في مثل هذه البيئات ، فالإنتماء لم يكن شعاراً يرفعه الناس ، لأنه كان إحساساً داخلياً ينشأ من حبهم للمنطقة ، ويُترجم إلى مسؤولية أخلاقية تجاه المكان .
هنالك نشأ الشاب مرتضى ، وتشبع بروح البيئة ، وحمل بساطتها وقوتها معاً ، فنال تعليمه كامتداد طبيعي لهذا التكوين التلقائي ، فكان الأساس بمدرسة المصنع ، ثم كريمة الصناعية الثانوية ، وبعدها كانت له محطة في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا ، غير أن طموحه كان حلماً يقف عند شرف الجندية، فكانت كلية الشرطة هي الوجهة التي وجد فيها نفسه ، ليس بحثاً عن مكامن السلطة ، وإنما كان سعياً وراء أداء واجب مقدس .
فالتحق بالدفعة السابعة والخمسين ، تلك الدفعة التي لا تُذكر إلا ويُذكر معها التماسك وروح الجماعة ، في زمن كانت فيه البلاد تعيش حراكاً اقتصادياً واسعاً ، ونهضةً شاملة إنعكست على نفوس الشباب أملاً وثقة ، وكانت هذه الدفعة (عينها مليانة) كما يقول المثل الشعبي السوداني ، فحملت عبئاً وطنياً مبكراً ، وها هي اليوم تؤدي واجبها بأمانة وإخلاص شديدين .
بدأ المقدم مرتضى مسيرته العملية في قوة الاحتياطي المركزي ، ذلك الميدان الصعب الذي لا يمنح ألقابه إلا لمن يستحقها ، ففي هذا العرين تُختبر الرجولة ، وتتكون القيادة ، وتتبلور الشخصية ، فهي قوة منضبطة ، وشجاعة بلا تهور ، حاسمة وحكيمة ، إنها (أبو طيرة البيفك الحيرة) ، كما يصفها الناس ، فإنها مدرسة قاسية تصنع الرجال ، فمنها خرج المقدم مرتضى ضابطاً يعرف متى يتقدم ، ومتى يتأخر ، وكيف يصبر .
تنقلت به الخدمة بين قوات الاحتياطي وشرطة القضارف ، ثم شرطة التعدين ، إلى أن إستقر به المقام في شرطة الولاية الشمالية. وفي كل محطة عمل شغلها كان يترك فيها أثراً واضح المعالم ، فهو ضابط مكتمل الأدوات والأركان ، واسع الأفق ، دقيق في الإدارة ، قريب من منسوبيه ، ومقنع في قراراته ، فأسندت إليه مهمة قيادة المكتب التنفيذي لمدير شرطة الولاية ، ثم إدارة مكتب السيد والي الولاية الشمالية ، فأثبت أن القيادة ليست منصباً ، مؤكداً بذلك أنها تنظيم ، وشفافية ، ومقدرة على التعامل ، وإحترام للوقت ، وصبر على التفاصيل ، وأمانة ، وحفظ لخصوصية المكان الذي يعمل فيه .
في إحتفالات الشرطة بالعيد الحادي والسبعين ، إمتزج الوفاء بالعطاء ، فإحتفلت شرطة الولاية الشمالية بتكريمها للشهداء ، والرواد والمتقاعدين ، ثم جاء تكريم المتميزين في الخدمة ليحمل معنى خاصاً ، فقد كان تكريم المقدم مرتضى محمد خلف الله تكريماً حيّاً صادف أهله ، لرجل يستحقه عن جدارة ، ورسالةً واضحةً بأن العطاء الصامت لا يضيع ، وأن التميز الحقيقي يراه الناس بوضوح ، حتى وإن لم يُعلن عنه .
إننا نعول كثيراً على هذا الطراز من الضباط الشباب ، فهم أولئك الذين يجمعون بين الأخلاق والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية في قالب واحد ، فمرتضى ليس حالةً فردية ، إذ يُشكل نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه مستقبل الشرطة السودانية إذا ما تم الإستثمار في عقول هؤلاء الشباب ، وصُقلت تجاربهم بالدراسات الأكاديمية العليا ، والدورات التدريبية المتقدمة ، والتأهيل المستمر .
مرتضى بلا شك رجل مُحب للناس دون فرز ، ومحبوب بينهم ، قريب من دفعته ، سريع في نيل ثقة قادته ، ثابت في أدائه ، وهادئ في حضوره وطبعه ، نقي في جوهره وجميل في مظهره ، فهو ضابط الشرطة الذي نحتاجه ، لانه إنسان قبل أن يكون ضابط ، وقائد وخادم للوطن قبل أي إعتبار آخر .. حفظه الله تعالى ورعاه ، وسدد خطاه ، وحفظه في نفسه وماله وأهله .
والله من وراء القصد وهو الهاديإلىسواءالسبيل .
