33.4 C
Khartoum
الأحد, مارس 22, 2026

همس الحروف .. هيبة الدولة في أنبوب الإختبار بالولاية الشمالية .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

لم تكن أحداث دنقلا الأخيرة شيئاً كان مستبعداً ، فمنذ بدء عملية تحييد قوات أولاد قمري عبر دمج غالب أفرادها في صفوف القوات المسلحة ، ومنحهم أرقاماً عسكرية ، كان واضحاً أن الدولة تمضي في إتجاه نقل هذه القوة من مربع التفلت إلى مربع الانضباط ، وكان مفهوماً منذ البداية أن أي خروج لاحق عن هذا المسار سيمثل تمرداً على المؤسسة العسكرية التي درجت بطبيعتها على محاولة إحتواء من يخرج عن طوعها أولاً بالحسنى ، قبل أن تعمل بالقسوة المشروعة إذا رفض الانصياع لسلطتها القانونية .

فالذين تحصلوا على أرقاماً عسكرية من هذه القوات أصبحت تبعيتهم مباشرة للفرقة 19 مشاة وفق الإجراءات الرسمية المعتمدة ، بينما إلتحق من تبقى منهم بالمقاومة الشعبية، وذلك تنفيذاً لتوجيهات قيادة الولاية التي سعت إلى ضبط المشهد الأمني وتقنين حركة جميع القوات المستنفرة التي تحمل السلاح .

لكن الفئة التى إعتادت على التفلت وعدم الانضباط العسكري ظلت تبحث عن مواقع بديلة تتهرب عبرها من الضبط والربط الذي يفرضه الجيش على كل منسوبيه ، وهو إنضباط لا يطيقه المتفلتون بطبيعتهم ، ومن هنا إتجهت هذه المجموعة بقيادة التوم قمري إلى قوات كيكل معلنة إنضمامها إليها. وقد رُحب بهم هناك ، لكن كيكل دفع بهم مباشرة إلى خطوط النار الأمامية ، فكانت تلك هي الحظة الحقيقة لإختبار صدقهم مع الوطن ، فمواجهة العدو ليست كالتجوال والإستعراض في المدن ، وليس كالانخراط في أعمال الهمبتة والتهريب .

ذلك الواقع الصادم دفعهم إلى العودة مجدداً إلى دنقلا ، لكنهم عادوا هذه المرة بابتداع رتب عسكرية لا تستند إلى أي إطار قانوني ، ويمثل ذلك خرقاً صريحاً لنصوص قانون القوات المسلحة ولضوابط الخدمة النظامية .

ومع استلام الجنرال المدفعجي عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم سدة سلطة الولاية ، أصبح واضحاً للجميع أن زمن المساومات قد إنتهى ، وعلى كل فأر أن يدخل جحره ، فالرجل جاء وهو يحمل هم واحد ، لا سلاح خارج سلطة الجيش ، ولا مظاهر عسكرية خارج النظام والانضباط ، ومنذ اليوم الأول شدد على فرض هيبة الدولة وضبط المشهد الأمني ، وهو نهج لم يعجب أولئك الذين اعتادوا على الحركة بلا رقيب .

لقد ظلّ أفراد المجموعة المتفلتة من أولاد قمري يتحركون في محيط منطقة الأبيار ، وكان قبلها منطقة المثلث ، يمارسون تجاوزات كانت معلومة للجميع ، ما إضطر لجنة الأمن إلى إرسال قوة رسمية لضبط الوضع في تلك المنطقة ، لكن قائد المجموعة تمكن من الإفلات لأنه يعرف جغرافية المنطقة جيداً ، واتجه نحو دنقلا ، معتقداً أن وجوده وسط قواته هنالك سيمنحه القدرة على إبتزاز الجيش وفرض شروطه .

دخل المدينة مرتدياً رتبة مقدم مزيفة ، معلناً من داخل قيادة القطاع نفسه أنه لا يتبع لأي جهة ، وأنه سيتصدى لأي قوة تقترب منه … فمثل هذه الجرأة لا يفعلها إلا من أخذته العزة بالإثم وظنّ أن الدولة ضعيفة ويمكن إبتزازها ، وفرض نفسه عليها بالقوة .

لكن القوات المسلحة ، وتحديداً قطاع دنقلا العملياتي ، قدم درساً مهنياً في كيفية إدارة الأزمات ، إذ رفض الاشتباك داخل الأحياء السكنية حفاظاً على المدنيين ، وهو ما أغرى قائد المجموعة (التوم قمري) بالاستعلاء واعتبار أن في الأمر تراجعاً وضعفاً ، الشيء الذي جعله يخرج متبختراً إلى أن وصل قبالة الميناء البري في منطقة مفتوحة في تحدي سافر ، فأوقفتهم قوة من الجيش بتعليمات واضحة (سلّم نفسك وسلاحك فوراً) .

لكن هذه المجموعة إعتادت على التفلت ، وبادرت بإطلاق النار ، فكان الرد العسكري حاسماً ومهنياً ، إستشهد أحد جنود القوات المسلحة خلال الاشتباك ، وقُتل عدد من أفراد المجموعة ، وأصيب قائدهم التوم قمري وتم التحفظ عليه ونقله للمستشفى لتلقي العلاج ، على أن تتم محاكمته لاحقاً وفق قانون القوات المسلحة .

وفي لحظات تلت هذه العملية مباشرة ، تمّ إستلام غالبية العربات التي تخص هذه المجموعة المتفلتة بكامل موديلاتها وعتادها ، وكما تم إستلام الأسلحة الثقيلة والخفيفة ، وفرض قطاع دنقلا سيطرته الكاملة على المدينة ومحيطها .

هذه العملية النوعية التي تم حفرها بالإبرة تمثل إعادة رسم لخطوط السلطة بالولاية ، وكانت بمثابة رسالة واضحة لكل من يحمل السلاح بالشمالية خارج إطار الجيش ، فالقوات المسلحة تحترم الصمت في هذا الظرف الاستثنائي ، ولكنها لا تقبل لغة التحديات والعنتريات والنفخة الكاذبة .

ويبقى السؤال الذي يتردد اليوم على ألسنة مواطني دنقلا : هل كما فُرضت هيبة الدولة على ذلك (البعبع) الذي جثم على صدور أهل الولاية ردحاً من الزمان ، سيُفرض ذات الحزم على التعدي من قبل قائد المجموعة على حرم الطريق القومي؟ ، ذلك المكان الذي جرى الاستيلاء على أراضيه بوضع اليد وبالقوة ، وشُيدت عليه مباني بلا وجه حق ولا تراخيص من السلطات المختصة .

مواطنو الولاية يترقبون اليوم قبل الغد رداً واضحاً وقوياً يا سعادة الأستاذ مكاوي الخير الوقيع المدير التنفيذي لمحلية دنقلا، فالجميع ينتظرون عدلاً متوازناً يطال الكل بلا استثناء، وبذات الصرامة التي تعيد للدولة هيبتها وللقانون احترامه .

التحية والتقدير للجنرال المدفعجي ، الرجل الذي يعمل بصمت شديد ، ويفعل قبل أن يتحدث ، إنه أحد أعضاء مدرسة الصبر ، والدقة في الأداء والتنفيذ ، و(الحفر بالإبرة) ، والتحية كذلك لأعضاء لجنة أمن الولاية الذين رسخوا الانضباط ، وقطعوا الطريق أمام فوضى السلاح ، وأعادوا الاعتبار لعبارات غابت عنا ، وكانت خجولة إذا نطقنا بها : (الدولة قائمة ، ولن تتراجع ، ولن تخضع لكائنٍ من كان) .

نصر من الله و فتح قريب و بشر المؤمنين

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا