33.4 C
Khartoum
الأحد, مارس 22, 2026

همس الحروف .. ما هكذا يكون النقد يا أساتذة ، الولاية الشمالية جبل لا يهزه ريح ..✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

نعم … لقد آلمنا جميعاً مقتل الشاب مصدق محمد طمبل ، وآلمنا كذلك مقتل الشرطي هشام آدم الذي لقي حتفه على يد مخمور ، وكيف لا نتألم وهذه أرواحٌ طاهرة من أهلنا تزهق بلا ذنب ولا مبرر؟ ، ولكن أن تكون هذه الجرائم العرضية كأنها (ميزان حرارة) لنجاح أو فشل والي الولاية فهو أمر غير مقبول ، وهي في الآخر لا تعتبر جرائم منظمة … وهذا ما يستوجب الوقوف عنده ، لأن النقد حين ينفلت من معايير الدقة يتحول إلى تجن ولا يؤدي دوره في الإصلاح والتقويم .

منطق (أين الوالي؟) ، ليس نقداً .. و هكذا يريد البعض ومنهم أساتذة كبار وأصحاب أقلام لها وزنها ، جعلوا من كل خلاف بين شخصين ، أو شجار بين زوجين ، أو سرقة عرضية ، دليلاً على (فشل الوالي !) … يا سبحان الله… فهل المطلوب أن يكون الوالي متواجداً لحظة حدوث كل خصومة؟ ، وهل يُنتظر منه أن يرافق الناس إلى الأسواق والمناسبات والبيوت ؟ ، .. ما هكذا يكون النقد يا سادة .

القوانين و الصرامة أمام هذه التفلتات لا تُطبق بوجود الوالي شخصياً ، ولكن لابد أن تكون المؤسسات واعيه لتقدم الجريمة في عددها ونوعها ، وهذه المؤسسات ، وأقصد الشرطة تحديداً ، بجميع أفرعها ، و نحن نعلم أنها تعمل اليوم في ظروف يعلمها الجميع ، مثل انعدام المركبات ، وشُح الوقود المخصص لهذه المؤسسة ، وانهيار البنية الشرطية بعد الحرب التي دمرت كل شيء في الخرطوم ، حتى الكلاب البوليسية المدربة لم تسلم من آلة الخراب .

الجرائم الأخيرة التي حدثت والتي كانت قبلها مؤلمة جداً ومؤسفة ، ولكنها ليست (ظاهرة منظمة) ، فالذين كتبوا عن (تسعة طويلة) وكأنها أصبحت تنظيماً واسعاً في الشمالية ، والحقيقة كما يعرف أهل دنقلا أن الجريمتين الأخيرتين جرائم عرضية وليست منظمة ، ولا توجد خلايا ولا عصابات مقيمة ، وجميعنا يعلم أنها جريمة وافدة بسبب الحرب .

الولاية أصلاً لم تكن بيئة للجريمة من قبل ، ولهذا لم تُجهز تاريخياً بأدوات ومعينات الأدلة الجنائية والوسائل البحثية الحديثة ، ولذلك تحميل الوالي مسؤولية تاريخ الإهمال المركزي الذي استمر منذ الإستقلال وإلى الآن ، ومناخ دولة انهارت شرطتها في العاصمة ، هو اختزال غير منصف .

نحن نعي تماماً أن الشرطة في معظم الولايات الطرفية تعمل بإمكانات صفرية ولكنها تحقق نتائج محترمة ، ورغم الظروف المعلومة للجميع والتي لا تحتاج للوضيح استطاعت مباحث الولاية تفكيك غموض غالب الجرائم فور وقوعها .. وفي جريمة دنقلا الأخيرة تم الوصول للجناة بسرعة قياسية ، وهذا ليس تبريراً للشرطة ، ولكن هذه حقيقة ميدانية يشهد بها أهل الولاية أنفسهم ، فهل يعقل بعد ذلك أن يُقال إن الوالي ترك الحبل على القارب ؟ .. أليس هذا تجنياً؟ .. أليس من الإنصاف أن يُذكر الجهد قبل أن يجلدوا الناس بالسياط ؟ .

سؤال يفرض نفسه ، لماذا هذا الغبن تجاه قيادة الولاية ، يبدو وللأسف الشديد أن بعض الأقلام وكأنها لديها مشكلة شخصية أو سياسية مع قيادة الولاية ، ولذلك يتم صبّ كل شيء في سلة الوالي ، حتى لو كان الخلاف بين رجل وزوجته ! ، و هذا ليس نقداً … بل إسفافاً ، كما قلنا .

ثم لنسأل بوضوح ، من الذي فرض هيبة الدولة في الشمالية خلال هذا العام ؟ ، ومن الذي أوقف بوادر الفوضى قبل وقوعها ؟ ، ومن الذي أعاد للشارع الأمن النسبي وسط انهيار الأمن في كل السودان ؟ ، أليست هذه القبضة الحديدية التي اعترف بها أهل الشمال كلهم ، و هذا جزء من أداء هذا الوالي سعادة الجنرال المدفعجي عبد الرحمنعبدالحميد ؟ ، فلماذا تُطمس الحقائق ويتم اجتزاء الواقع بهذا الشكل المؤسف ؟

النقد الهادف مسؤولية ، وليس فشّ غبائن ، فنقد السلطة واجب ، والسيد الوالي بشر يصيب ويخطئ ، ولكن المطلوب أن يكون النقد عادلاً ، ومنصفاً ، ولا مسيساً ولا إنفعالياً .

لسنا ضد مراجعة أداء الولاية ، ولسنا ضد تقوية الشرطة ، ولسنا ضد المطالبة بضبط الدراجات النارية وتطبيق القانون ، ولكننا بكل احترام نقول : لا تحملوا السيد الوالي ما لا يحتمله المنطق ، ولا تجعلوا من كل جريمة تحدث دليلاً على انهيار الحكم بالولاية ، فالسودان يعيش ظرفاً غير مسبوق ، والجرائم للأسف إمتداد طبيعي لفوضى الحرب ، وليس سببها (والي الشمالية) كما يزعم البعض .

نترحم على روح الشاب مصدق ، وعلى روح الشرطي هشام آدم ، وعلى كل ضحية بريئة ، ونرفض أن يتحول الحزن إلى منصة لتصفية الحسابات مع السيد الوالي أو غيره ، وكما نرفض أن يُطلب من السلطة المحلية ما هو فوق قدرة ولاية محاصرة بالظروف ، ومنهكة من آثار دولة مركزية ظلمت الأطراف عقوداً طويلة .

النقد حق … ولكن يجب أن يكون نقداً ، لا تشهيراً . وتقويماً ، لا تهويلاً.
وإنصافاً ، لا انتقاماً .

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا