33.4 C
Khartoum
الأحد, مارس 22, 2026

همس الحروف .. آن الأوان لتغيير ثقافة السلوك المؤسسي .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

أصبح من الضروري إعادة النظر في بعض السلوكيات الاجتماعية والمؤسسية التي التي نمارسها ، وهي تُهدر الوقت والمال وتستنزف الجهود دون مردود حقيقي يمسّ حياة الناس ، أو يدعم صمود المجتمع و خصوصاً أن الدولة تعيش ظروفاً قاهرة تتطلب أعلى درجات الانضباط والوعي والمسؤولية .

ومن بين تلك السلوكيات المنتشرة ما بات يُعرف بتدشين حملات الدعم لبعض الجهات ، أو إقامة حفلات الإعلان عن تبرعات معينة ، سواء للجهات الخيرية أو للمجهود الحربي أو للمؤسسات المجتمعية ، ورغم أن العطاء في أصله قيمة إنسانية سامية ، إلا أن الطريقة التي تُمارس بها هذه الأنشطة في هذه الأيام كثيراً ما تتحول من واجب وطني إلى مناسبة للإستعراض أو لكسب الثناء الاجتماعي فقط ، على حد قول الإمام الصادق المهدي : (الشيفونية المؤسسية) .

ما يجري اليوم في بعض المؤسسات يبعث على القلق ، حيث يتوقف سير العمل أو يتعطل أحياناً لأجل التنسيق لحفل تدشين أو استقبال أو وداع ، فينشغل رؤساء إدارات المؤسسات بالتجهيزات والبروتوكولات من أجل المجاملات ، بدل الانكباب على مسؤولياتهم الحقيقية في مؤسساتهم ، والأدهى من ذلك أن بعض الجهات المانحة تتصرف وكأن عطائها منٌة تستوجب الاحتفاء والإعلان عنها ، بينما الأصل أن الدعم وخصوصاً في هذه الأيام واجب وطني ويمكن أن يُقدم بصمت وصدق ، بعيداً عن الأضواء والضوضاء .

هذه الممارسات لا تستهلك الوقت فقط ، فنجدها تستنزف الموارد المالية التي كان يمكن إستثمارها في الأهداف الأساسية للمؤسسات أو في دعم المستفيدين بصورة مباشرة .

ليس المطلوب إلغاء قيمة التقدير أو إهمال الطرف المانح ، ولكن طريقة إظهار هذا التقدير قد يخرجها من محتواها ، ويمكن أن تتم أعمال الدعم والتبرع في إطار مهني محدود بين المانح والجهة المستفيدة فقط ، مع حضور رمزي للجهات ذات الصلة ، وبدون تحويل الأمر إلى مهرجان أو وسيلة للظهور الاجتماعي .

لابد أن نتعلم أن الصمت في العطاء أبلغ من الخطب والدعم المفضوح ، وأن خدمة الوطن لا تحتاج إلى كاميرات ، ولا لافتات ، ولا احتفالات يمكن أن تشكل رفاهية لا تحتملها الظروف التي تمر بها بلادنا .

أما ظاهرة حفلات الوداع والاستقبال فهي الأخرى باتت عبئاً ثقيلاً على المؤسسات وأيضاً على الأفراد ، فالأموال التي يتم صرفها في تنظيم هذه المناسبات ، والتي قد تشمل تأجير قاعات وشراء دروع وهدايا وصرف وقود ، وتعطيل العمل ، كان بالإمكان توجيهها لدعم الشخص المكرم نفسه ، ومساعدتة بشيء يقدم له فائدة حقيقية بدل المظاهر الشكلية .

تغيير هذه الثقافة أصبح الآن واجباً أخلاقياً ، وضرورة إقتصادية ملحة ، فيجب أن يُقدم العطاء بصمت ، وتُختصر الاحتفالات في حدودها الرمزية ، وبذلك سنكون قد وفرنا جهداً ومالاً وزمناً نحن في أمس الحاجة إليه .

رسالتي إلى القائمين على أمر المؤسسات ، عليهم اصطحاب الظروف الصعبة التي تمر بها الدولة اليوم ، وحالة الحرب والمهددات الأمنية ، وهذه الظروف تفرض علينا مراجعة عميقة لسلوكياتنا ، وإعادة ترتيب أولوياتنا ، والابتعاد عن كل ما يُثقل كاهل المؤسسات دون جدوى ، ولسنا بحاجة إلى ثقافة التفاخر بالعطاء ، ونريد أن نتحمل مسؤولياتنا كاملة تجاه تغيير هذه الثقافة والإلتزام بالإنفاق الرشيد ، والعطاء المخلص الذي لا ينتظر تصفيقاً ولا تصويراً .

تغيير هذه الثقافة ليس حلماً مستحيلاً ، ومشوار الميل يبتدئ بخطوة ، ويمكن أن تبدأ بقرار ، وتكبر بإرادة ، وتثمر حين يدرك كل فرد أن الوطن اليوم يحتاج لصمت الفاعلين أكثر من ضجيج المظاهر .

الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

أخبار اليوم
اخبار تهمك أيضا