☘️🌹☘️
ظلت مصر تشكل بثقلها الجغرافي ، والحضاري ، والسياسي حجر أساس في معادلات المنطقة ، وهذا ما جعلها في السنوات الأخيرة أن تكون أمام تحد وجودي صريح في أمنها المائي ، وهذا ليس من باب المصادفة أن تتزامن أزمة سد النهضة مع حرب السودان ، خاصة في ظل تقارير إستخباراتية دقيقة تؤكد وجود دعم غير معلن من أطراف إقليمية ودولية تتقاطع مصالحها عند نقطة واحدة فقط. وهي تحجيم الدور المصري وزعزعة استقراره في إقليمه .
نرجع قليلاً بالتأريخ إلى خمسينيات القرن الماضي ، فنجد أن إسرائيل تبنت سياسة واضحة في التمدد جنوباً نحو القرن الإفريقي ، وهذا التوجه لم يكن عشوائياً كما ظن البعض ، لأنه كان نابعاً من فهم استراتيجي لطبيعة الأمن القومي المصري ، لكونها دولة تماس مباشر مع إسرائيل ، ما يجعل استقرارها الإقليمي ، وتنميتها مصدر قلق دائم للكيان اليهودي .
السودان يشكل العمق الاستراتيجي لمصر ، وإذا ما اختل توازنه بترتب على ذلك اختلال في أمن مصر القومي والمائي والغذائي ، مقروءاً ذلك مع بناء إسرائيل تحالفات إستراتيجية مع دول المنبع (كإثيوبيا) ، وقد باشرت بصورة واضحة دعم القوى المتمردة في السودان، بغرض خلخلة الأمن القومي المصري من الجنوب دون الخوض في مواجهة مباشرة معها .
في السبعينيات القرن نجد أن (جوزيف لاقو) كان يمثل أحد أهم الشخصيات التي مثلت نموذجاً مبكراً لتقاطع المصلحة الإسرائيلية مع التمرد في السودان ، فقاد حركة أنانيا 1 في جنوب السودان في ذلك الوقت ، حيث إعترف لاحقاً بعظمة لسانه في مقابلات تلفزيونية أنه تلقّى دعماً ضخماً يصل حد الإغراء من الموساد الإسرائيلي ، شمل دعماً مالياً ، وتدريباً عسكرياً ، ومساعدات لوجستية ، ومعلوماتية .
والهدف من هذا الدعم لم يكن فقط فصل الجنوب عن الشمال ، لأنه كان واضحاً من ذلك محاولة إضعاف الخرطوم ، من أجل تقليل عمق القاهرة الاستراتيجي في المنطقة ، فلم يتوقف ذاك الدعم حتى بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972 ، فاستمر ، وإنْ بصورة غير معلنة ، عبر قنوات عسكرية ، واستخباراتية .
يأتي سد النهضة كمحور حيوي في إعادة تشكيل توازنات القوى في منظقة حوض النيل ، ورغم كونه مشروعاً تنموياً إثيوبياً في الظاهر ، إلا أنه يمثل بُعداً جيواستراتيجياً بالغ الخطورة ، لأن إثيوبيا عبره تتحكم بمصدر نحو 85% من مياه النيل التي تصل إلى مصر عبر السودان .
فالدعم الخارجي الذي تلقته إثيوبيا في بناء هذا السد سواء كان مالياً ، أو تقنياً ، أو سياسياً أثار جدلاً كبيراً وتساؤلات عن الجهات التي تستفيد من إخضاع مصر والسودان عبر ملف المياه .
تقارير متعددة تحدّثت عن تعاون (إثيوبي ، إسرائيلي) قديم ، يعود إلى الستينيات ، في مجالات عسكرية واستخباراتية ، ووجود مصالح إسرائيلية في مشاريع البنية التحتية الإثيوبية ، ما يعزز فرضية أن السد أداة ضغط فقط ، وليست ممشروع تنموي كما روجت إثيوبيا لذلك .
بعد 2019، ومع تصاعد قوات المليشيا المتمردة بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) ، دخل السودان فصلاً جديداً من سيناريوهات متعددة مع تكريس الفوضى ، إلى أن إنزلق في حرب وجودية إستهدفت كل موجوداته ، فأصابته بحالة من الشلل السياسي والانهيار المؤسسي في كل شيء .
فتعدد الأطراف الدولية المتدخلة في هذه الحرب بشكل مباشر أو عبر وسطاء ، يجعل المشهد معقداً ومفتوحاً على سيناريوهات طويلة الأمد .
فإستمرار الأزمة في السودان يعني بقاء مصر تحت ضغط دائم من الجنوب ، خاصة في ملف الحدود ، واللاجئين ، مع ملف التحكم في تدفقات النيل الأزرق .
نرجع بالتاريخ لنصطحب معنا البعد الرمزي في منطقة مقرن النيلين و قصة سيدنا موسى عليه السلام ، والرجل الصالح ، حيث تشير كثير من التقاليد الدينية والشعبية اليهودية عن لقاء موسى بالرجل الصالح عند صخرة قرب ملتقى النيلين ، جنوب جزيرة توتي بالخرطوم .
وهذا البعد الرمزي قد لا يكون سبباً مباشراً في السياسات الحديثة ، لكنه قد يُستثمر في الخطاب السياسي والديني لدى بعض الجهات لتبرير أو تأطير مشاريع استراتيجية في المنطقة ، خصوصاً عند الحديث عن (أرض الميعاد) ، أو السيطرة الرمزية على منابع المياه ، عموماً أن زعزعة السودان لإشغال مصر بإلتهاب جنوبها ، مع أن ملف المياه يعتبر بالتسبة للبلدين أداة ضغط و إخضاع .
السودانيون وبعض المصريين تعاملوا مع ملف سد النهضة بعفوية أكثر من اللازم ، فما يحدث في السودان من تمزيق ممنهج ، ومن دعم إثيوبي غير مشروط لبناء السد ، يثبت أن الهدف الأكبر من هذا العمل المدبر الذي يجري على الأرض ليس مقصود منه التنمية في إثيوبيا ، أو الإنفصال في السودان ، أو تجزئته إلى دويلات ، أو الإستثمار في الطاقة .
فإشغال مصر في عمقها الجنوبي بملفات صراعية ليست لها نهاية مع حرمانها من التحكم التاريخي في مياه النيل هذا هو الهدف الاساسي ، وكل ذلك من أجل تقليص نفوذها الإقليمي ، وعزلها عن امتداداتها في العمق الإفريقي .
إن كانت الحرب المباشرة مستبعدة بين إسرائيل ومصر فإن الحرب غير المباشرة عبر أدوات مائية وأمنية وسياسية واقتصادية تمضي قدماً وبصمت شديد ، ولا تحتاج إلى دبابات على الحدود ، أو طائرات ، أو صواريخ ، فإسرائيل تعمل وبجد على خلخلة تدريجية في الملفات الأكثر حساسية للدولة المصرية المتمثلة في ملف الماء ، وحرب السودان ، وعناد إثيوبيا وأحادية إدارتها لملف النيل … فنجد كلما انشغلت مصر بأزماتها الحدودية ، وبأمنها المائي ، إبتعدت عن دورها المحوري في المنطقة ، وهذا بالضبط ما تريده قوى عديدة ، بعضها قد يعلن ، والبعض الآخر يعمل في الظل .
