☘️🌹☘️
في زمن عزت فيه الكلمة وتآكلت فيه المفردة وتكسرت فيه العبارات أمام رياح الحرب ودمارها ، طلت علينا كنموذج نادر من نسائنا المجبولات على الصبر والصلابة والكرامة ، اللائي يلمعن في وقت العتمة كمصباح في حالكات الدجى ، إنها الأستاذة أمل سيد بانقا ، بنت المرحومة الشفة محمد عمارة ، وبلا شك إنها امرأة قوية يصعب على النكبات هزيمتها ، لأنها عبارة عن صخرة عصية تتكسر عندها الصعاب من الأمور ، فاستطاعت مواجهة كل التحديات في هذه الظروف الصعبة من عمر بلادنا .
منذ اندلاع الحرب وتقهقر الأوضاع في السودان ، كانت أمل تبث الأمل في نفوس الناس لا بوصفها ناشطة مجتمعية ، ولكن لأنها تعتبر رمز من رموز هذا الوطن ، فحينما سقطت العاصمة تحت وطأة المليشيا ، لم تسقط في دواخل أمل و لهذا ظلت باقية فيها لم تغادرها قيد أنملة ، فهي رئيسة الرابطة بمربع 3 بالحاج يوسف ، فظلت طيلة هذه الفترة نابضة بالحياة والعمل ، لم تنتظر انتهاء الحرب لتبدأ ، و لكنها بدأت في عز القصف ، وبزغت في وقت العتمة .
أشرفت الأستاذة أمل على حملات واسعة لإصحاح البيئة، وتنظيف المدارس والشوارع الرئيسية ، وسط ركام المعارك وآثار القصف ، فلم تكن النظافة هنا مجرد عمل خدمي ، لأنها تربت عليها و لكنها تعتبرها إعلان عن انتصار الإرادة على الفوضى ، و أصرت أن تجعل المدينة تتنفس من جديد بين الخراب .
لم تكتفِ بذلك بنت الرجل الجميل سيد بانقا ألف رحمة و نور تنزل عليه في فراديس الجنان ، حيث أطلقت مبادرات العيادات المتكاملة المجانية مع مجموعة نساء الحي ، فكانت أمل هي الطمأنينة في زمن المرض ، والعلاج في وقت غابت فيه المستشفيات ، وتحولت فيه الخدمات الصحية إلى سراب .
و حينما جاءت لحظة الاحتفال بانتصارات قوات الشعب المسلحة على المليشيا في العاصمة ، فكان لا بد أن يكون لأمل كلمة ، وموقف ، فحولت المناسبة إلى احتفال كبير ، بالنصر ، و شجعت غيرها بإمكانية العودة للديار ، وأكدت أن الخرطوم لن تموت ، طالما هناك من يُمسك بيدها لترفع من جديد .
إنها أمل سيد بانقا ، إسم على مسمى ، فلم تكن مجرد امرأة تُدير رابطة ، لأنها كانت أسداً في الميدان ، ودبابة في حملات الكنس ، وملاكاً رحيماً في العيادات ، وصوتاً حقيقياً حين صمت الجميع ، فأمل تستحق منا التحية و التقدير ، فهي صورة ناصعة للمرأة السودانية الأصيلة ، التي لا تكسرها الحرب ، و أنما صقلتها .
ففي خضم ظرفية قاسية ، إنعدمت فيها الموارد ، وإنهارت فيها البنى تباعاً ، ظلت نساء السودان يقدمن مشاهد ناصعة من العطاء الإنساني ، كرابطة نساء مربع (3) بامتداد الحاج يوسف ، بقيادة الأستاذة أمل حيث سطرن صفحة جديدة من الفعل الإيجابي بتنظيمهن إحتفالاً بختان 45 طفلاً ، في مشهد إنساني بامتياز ، يجسد المعنى الحقيقي للتكافل والتراحم .
ليست هذه المبادرة سوى واحدة من سلسلة إنجازات تُضاف إلى سجل الأستاذة أمل و صويحباتها ، اللائي يقودن العمل المجتمعي بقلب من نور وعزم من فولاذ ، مجسدين دور المرأة كصانعة للحياة وسط الدمار ، ولم تكن مربعات (1، 4 ، 5 و 9) غائبة عن المشهد ، فقد تكاتفت نساؤها بكل شهامة ونبل لإنجاح هذا العمل النبيل و كنا صانعات لهذا الحدث الإجتماعي الضخم ، في صورة متكاملة من التضامن الشعبي النسوي الذي أعاد للناس شيئاً من الأمل والدفء .
التحية للأستاذة أمل بانقا ، ولكل امرأة من نساء هذه المربعات الشامخة … فقد أثبتن أن العمل الإنساني لا يحتاج إلى منصات او إمكانيات ، فقط يحتاج إلى ضمير حيّ وإرادة لا تعرف الانكسار .
وفي هذا الزمان الذي عزت فيه الكلمة ، نكتب عن الأستاذة أمل ، ليس من باب التمجيد للشخوص ، و أنما لنذكر بأن بيننا نساءً من ذهب ، يشبهن الوطن في أبهى حالاته ، ويُشعلن الأمل حينما تخمد النيران .
و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
