☘️🌹☘️
في خضم مسارات البناء الوطني و المؤسسي ، يمر شعبنا بمحطات تكشف عن مدى منسوب النضج في إدارة الشأن العام ، و تُفرز بجلاء منطق الدولة عن منطق اللا شيء ، ومن المؤسف جداً نجد مؤخراً في إحدى وزارات الدولة الخدمية التي من المفترض أن تكون أم الوزارات إلا أنها ما زالت تدير نفسها بعقلية سوق المحاصيل ، و ما حدث لا يمكن وصفه إلا عرضاً صارخاً لانقلاب الموازين بين أصحاب الكفاءة وأرباب الولاء ، بين من يحركهم الواجب الوطني ومن يثيرهم وهج الظهور ومقاعد النفوذ .
فحين يُكلف موظف لا أجد لنفسي سعة لأذكر إسمه حتى لا أعطيه مساحة للشهرة ، و تعوزه الخبرة ، ويشكو فقر التأهيل ، ليتحدث باسم وزارة بكامل ثقلها وإمتدادها ، بل ويُستنفر لا لحمل السلاح للذود عن الحياص ، و لكن لتقريع قيادية مشهود لها بالكفاءة والعطاء الوطني ، فإننا أمام مأساة إدارية ذات أبعاد خطيرة ، الخطر هنا ليس في شخص من تحدث ، بل في الجهة التي منحته سلطة لا يستحقها ، ومكنته من التدخل في شؤون من هم أكبر و أكثر دراية وخبرة وشأناً منه.
وما يزيد الأمر مرارة فوق مرارات و جرحات الوطن ، أن هذه القيادية لم تُقدم على ما يخل بالواجب ، بل اجتهدت في إطار مبادرة وطنية حظيت بتقدير الإعلام والمجتمع ، لكن بدلاً من أن يُحتفى بها ، وبدلاً من أن تُشكر على ما قدمت ، وضعت في موضع إستنكار ، لا لسبب سوى أن ضوء الإعلام سُلط عليها دون إذن ممن لا يرى النور إلا في ذاته .
إن الغيرة المؤسسية حين تتلبس ثوب السلطة تتحول إلى عدو خفيّ للتنمية ، والأسوأ حين يستدعى من لا يحمل مؤهلاً ، ولا يعرفه أحد في معترك الفكر أو الإدارة ، ليخاطب أصحاب المبادرات بلغة تعكس غربة كاملة عن أدبيات الوظيفة العمومية و مسارات الخدمة المدنية ، وعن أبجديات الخطاب الإداري. أن يُقال لمسؤولة (أنا أستجوبك)، وأعلى ما في خيلك اركبي ، فهذه عبارة أسنة و لا تليق لا بمجلس خاص ، ولا بمقهى شعبي ، و لا بسوق البصل أو المحاصيل ، فكيف يتم ذلك تحت سقف وزارة التربية ؟ ، وأي تربية نرجوها من مؤسسات تتعامل بهذه اللغة ؟ .
لقد آن الأوان أن يُعاد النظر في معايير التكليف والتعيين ، فلم تعد المؤسسات قادرة على تحمّل كلفة المزاج ، ولا على دفع فواتير المجاملات ، فالوطن يحتاج إلى من يُتقن ، لا إلى من يتزيّن بالمناصب ، و إلى من يعمل ، لا من يغار و يخرج عن حدود اللباقة .
المعايير المهنية ليست ترفاً ، بل ضرورة وجودية. يجب أن يُمنح المنصب لمن يستحقه علماً وخبرةً ، لا لمن يحوزه بدافع الولاء أو القرب من مصدر القرار ، وعلى المؤسسات أن تضع سياسات صارمة تحميها من تسلل غير المؤهلين إلى مواقع التأثير .
إننا أمام مفترق طرق، فإما أن نُعيد الاعتبار للجدارة والكفاءة ، وإما أن نواصل هذا الانحدار في مهازل القدر ، حيث يُقصى أصحاب الرأي ، ويُقدم من لا رأي له ولا دراية .
فمن أنتم بحق العقل والمنطق، لتُستدعى أمامكم الأستاذة هالة خلف الله كرم الله زين العابدين ولا فخر؟ ، و من أنتم لتُساءل أيقونة المبادرات و صانعة الحدث ، و صاحبة الكلمة المسموعة في قلب مركز الدولة و قيادته ، و من تُحمل في رصيدها ماجستير العلوم الاستراتيجية من جامعة كرري ، وماجستير اللغة العربية للناطقين بغيرها من معهد الخرطوم الدولي للغة العربية، وهي الآن قيد الدكتوراة، وزميلة أكاديمية نميري العسكرية ، وصاحبة رصيد وافر من الخبرات والمبادرات والأوراق العلمية التي تنوء بحملها الجبال؟ ، فمن أنتم … ممن لا يُعرف له تأهيل ولا يشهد له سجل ، ليقف في مقام العارفين وصانعي الأثر؟ . إن إهانة الكفاءة في هذا الزمن ليست سقطة إدارية عابرة ، بل هي خيانة صريحة لقيمة الوطن ، حين يُؤمّن الجهل ويتهم الاجتهاد ، ويُكافأ الولاء ويُقصى العطاء .
